1.

2.

[1a]
بسم الله الرحمن الرحيم الحي الابدي
السرمدي وبه نستعين
نبتدي بعون الله تعالى وحسن توفيقه
وارشاده ونكتب خبر حيقار الحكيم الفيلسوف
ووزير سنحاريب الملك ونادان ابن اخته
ذكروا انه في زمان الملك سنحاريب
ملك اثور ونينوى رجلًا حكيم يقال له
حيقار . وكان وزير الملك سنحاريب
وكاتبه وكان ذو مالٍ جزيل ورزقًا
[1b]
كثير. وكان ماهرًا حكيمًا فيلسوف ذو
معرفه وراي وتدبير. وكان قد تزوج
ستين امراه. وبنا لكل واحده منهم
مقصوره ومع ذلك كله لك يكن لهُ ولدًا
يربيه. وكان كثير الهم لاجل ذلك. وانهُ
كان في ذات يوم جمع المنجمين والعرافين
والسحرا. واحكا لهم واشكا حاله بامر
عقوريته فقالوا له ادخل ادبح للالهه
واستخبرهم لعلهم يرزقوك ولدًا. ففعل
كما قالوا له. وقدم القرابين للاصنام
[2a]
واستغات بهم وتضرع اليهم بالطلبه
والدعا فلم يجيبوه بكلمة واحده فخرج
وهو حزين خايب وانصرف وهو متالم
القلب. فرجع بالتضرع الى الله
تعالى وامن واستغات به بحرقت قلب
وقال بصوت عالي يا الاه السما والأرض
يا خالق الخلايق كلها اطلب اليك ان
توهبني ولدًا حتى اتعزا به ويحضر
موتي ويرتني ويغمض عيناي ويدفني
فعند ذلك اتاه صوت يقول له حيث انك
[2b]
اتكلت اولًا على الاصنام المنحوته وقدمت
لهم القرابين كذلك تبقا بلا ولد ولا بنين
ولا بنات. بل قم خد ابن اختك نادان واجعله
لك ولدًا وعلمه علمك وادبك وحكمتك
وهو يرتك بعد موتك فعند ذلك اخد
نادان ابن اخته وكان صغير بيرضع
فسلمه الى تمانية نسا مرضعات ليرضعوه
ويربوه. فربوه بالاكل الطيب والتربية
اللطيفه والبسوه الحرير والارجوان
والقرمز وكان جلوسه على الطنافس
[3a]
الحرير. فلما كبر نادان ومشى ونمى مثل
الأرز العالي. فعلمه الادب والكتابه
والقراء والفلسفه وجميع العلوم. وفي
بعض الأيام نظر سنحاريب الملك الى
حيقار فرااه قد بقى شيخ كبير. فقال
له ايها الصاحب المجيد المكرم الماهر
المدبر الحكيم وكاتمي ووزيري وكاتم
سري ومدبر دولتي. هوذا انت قد
كبرت وطعنت في السن وقرب موتك
ووفاتك فقول لي من يقوم في خدمتي
[3b]
بعدك. فقال له حيقار يا سيدي الملك
يعيش راسك الى الابد. هوذا نادان
ابن اختي قد اتخدته لي ولدًا وربيته
وعلمته حكمتي ومعرفتي كلها. فقال له
احضره قدامي لانظره. فان وجدته
لايقًا فاقيمه عوضك وانت اطلق
سبيلك لتمضي وتستريح وتنيح شيخوختك
وتعيش باقي عمرك بكرامه حسنه.
حينئيذٍ مضى حيقار واحضر ابن اخته
نادان واتامله فاعجبه غاية العجب وفرح فيه
[4a]
عند ذلك قال الملك لحيقار هذا ابنك
يا حيقار اطلب من الله ان يحفظه. وكما
انت خدمتني وخدمت ابي سرحادوم
قبلي كذلك يكون هذا ولدك يخدمني
ويقضي مصالحي وحوايجي واشغالي
حتى اكرمه واعزه لاجل خاطرك. فسجد
حيقار للملك وقال له يعيش راسك يا
سيدي الى الابد. اريد منك ان تطول
روحك عليه لانه ولدي. وايضًا تبقا
تسامح غلطاته حتى يخدمك كما ينبغي
[4b]
فعند ذلك حلف له الملك ان يجعله
اكبر محبيه واعز اصدقاه. ويكون
عنده في كل كرامه واوقار. فقبل اياديه
ودعا له. واخد نادان ابن اخته معه
واجلسه في خلوه. وبدا يعلمه في الليل
والنهار حتى اشبعه حكمه ومعرفه.
اكثر من الخبز والما. وهكذا كان يعلمه
ويقول له يا بني ان سمعت كلمه دعها
تموت في قلبك ولا تكشفها لغيرك ليلا
تصير جمره وتحرق لسانك وتجعل في
[5a]
جسدك الالم وتكسيك العار وتخزا
من الله والناس يا بني اذا سمعت خبر
لا تفشيه واذا نظرت شيًا لا تحكيه
يا بني سهل خطابك للسامع ولا تبادر
برد الجواب يا بني لا تشتهي حسن براني
لانه يزول ويعبر والذكر الصالح يدوم
الى الابد يا بني لا تخدعك امراه سفيهه
بكلامها ليلا تموت باوشم موته وتعرقلك
في المصيده وفي الفخ وتنصاد يا بني
لا تشتهي امراه مزخرفه بالتياب و
[5b]
الادهان وهي في نفسها وقحه سفيها واياك
ان تطيعها وتعطيها شيًا ما يكون لك او تسلمها
ما في يدك فتلبسك الخطيه ويغضب الله
عليك يا بني لا تكون مثل شجرة اللوز
لانها تورق قبل كل شجرة واخر الكل
تطعم بل كون مثل شجرة التوت الذي
تطعم قبل كل الأشجار واخر الكل تورق
يا بني احني راسك الى اسفل ولين
صوتك وكون متادب واسلك في سبل
الصلاح ولا تكون سفيه ولا ترفع صوتك
[6a]
اذا ضحكت او تكلمت لان لو كان بالصوت
العالي يبنا بيتًا كان الحمار كل يوم يبني
بيوتًا كثيره. يا بني نقل الحجاره مع رجل
حكيم اخير من شرب الخمر مع رجل اليم
يا بني اسكب خمرك على قبور الصالحين
ولا تشربه مع أناس اليمين وقحين.
يا بني التصق في أناس حكما يتقون
الله وكن مثلهم ولا تقرب الجاهل ليلا
تصير مثله وتتعلم طرايقه يا بني اذا
اقتنيت صديقًا او صاحبًا جربه وبعد
[6b]
ذلك صاحبه وبغير تجربه لا تحمده
ولا تفشي كلامك مع رجل غير حكيم يا بني
ما دام في رجلك خف امشي به على الشوك
واعمل طريقًا لبنوك وبني بنوك وعدّل
سفينتك قبل ان يهيج البحر وامواجه
وتغرق ولا تقدر ان تخلص يا بني الغني
اذا اكل الحيه يقولون الناس من حكمته
واذا اكلها رجل مسكين يقولون الناس
من جوعه يا بني يقنعك راسك ومالك
ولا ترغب في شي غيرك يا بني لا تجاور
[7a]
الاحمق ولا تاكل معه خبز ولا تفرح في اسيات
جيرانك واذا اسا اليك عدوك فباديه
انت بالاحسان يا بني رجل ما يخاف الله
خاف انت منه واكرمه يا بني الجاهل
يقع ويعتر والحكيم ولو عتر ما يتزعزع
ولا يقع وان وقع يقوم عاجلًا واذا مرض
يقدر يعالج روحه. واما الجاهل الاحمق
ليس لدايه دوا يا بني اذا استقبلك رجلًا
اقل منك استقبله وانت قايم فان لم
يكافيك ربه عوضه يكافيك يا بني لا
[7b]
تعفي عن ضرب ابنك فان ضرب الولد
مثل زبل البستان ومثل ربط فم الكيس
ومثل رباط البهيمه وغلق الباب يا بني
اضبط ابنك من الشرور وادبه قبل ان
يكبر ويتمرد عليك ويهينك بين اصحابك
ويحني راسك في الشوارع والمحافل
وتنعاب في اعماله الرديه يا بني لا تخرج
الكلمه من فمك حتى تشاور قلبك ولا
تقوم بين المتخاصمين لان من الكلمه للشرور
تكون الخصومه ومن الخصومه يكون
[8a]
الحرب ومن الحرب يكون القتال فتلزمك
الشهاده. لكن انت [فرّ] من هناك
واستريح يا بني لا تقوم مقابل اقوى
منك بل اقتني لك الروح الطويله و
الاحتمال والمشية الصالحة لان ليس
شي افضل منها يا بني لا تفرح في موت
عدوك لانك بعد قليل تكون جاره
ومن هزل بك وقره واكرمه واسبق
عليه السلام يا بني وان كان الماء يقف
في المجرا وتطير العصافير الى السما
[8b]
والغراب الأسود يبيض والمر يحلا
كالعسل فالجاهل والاحمق يفهمون ويتحكمون
يا بني ان اردت ان تكون حكيم اضبط
لسانك من الكذب ويدك من السرقه
وعينيك من النظر السو عند ذلك
تدعا حكيمًا يا بني دع يضربك الحكيم
بعصا ولا يدهنك الجاهل بدهن طيب
يا بني كن متواضع في شبوبيتك فتكرم
في [شيخوختك] يا بني لا تقوم مقابل
رجلًا يكون في رياسته ولا النهر في زيادته
[9a]
ولا تسعا في زواج لان اذا كان فيه خيرًا
ما يحمدوك وان كان شرًا شتموك ولعنوك
يا بني صاحب لمن تكون يده شبعانه
ممتليه ولا تصاحب لمن يده منقبضه
جيعانه يا بني اربعه لا يتبت فيها ملك
ولا عسكر. عُسر الوزير. وسو التدبير
وخبت النيه. وظلم الرعيه. واربعه
لا تختفي العاقل والاحمق والغني والفقير
فلم تم حيقار هذه الوصايا والامثال
الى نادان ابن اخته ظن في باله انه
[9b]
قد حفظ ما اوصاه وما علم انه
يريد يباديه بضد ذلك. وبعد هذا
جلس حيقار في بيته وسلم الى نادان
كل ماله والعبيد والجوار والخيل و
المواشي وغير ذلك من جميع ما يقتني
وبقى الامر والنهي في يده وتقدم عند
الملك مثل خاله حيقار واكثر وبقى حيقار
في بيته مستريح ما عاد يمضي الى عند
الملك الا في كل مره يمضي يسلم عليه
ويرجع الى بيته فلما علم نادان ان الامر
[10a]
بقى في يده فهزل في خاله حيقار وشمخ
عليه وبدا يدمه اين ما حضر ويقول
ان حيقار بقى كبير وخرفان وما بقا
يعرف شيئا وبدا يظرب العبيد والجوار
ويبيع الخيل والجمال وتصرف في كل ما
يملكه خاله فلما نظر حيقار ان ليس له شفقه
على عبيده وبيته طرده من بيته وبعت
اخبر الملك به انه عمال يبدد مقتناه ورزقه
فدعا الملك نادان وقال له ما دام حيقار
بالحياه فلا يتسلط احدًا على بيته ولا
[10b]
على مقتناه فارتفعت يد نادان عن
حيقار وعن ماله جميعه وبقى لا يدخل
ولا يخرج اليه ولا يسلم عليه عند
ذلك ندم حيقار على تعبه على نادان
وبقى حاير جدًا وكان لنادان اخ اصغر منه
يسمى بنودان اخده حيقار اليه عوض
نادان [وربّاه] واكرمه غاية الاكرام
وسلم اليه جميع ما يقتني وجعله مدبر
بيته وامره فلما نظر نادان ما قد صار
اخده الحسد والغيره وبدا يشتكي لكل
[11a]
من يساله ويهزوا بخاله ويقول ان
خالي قد طردني من بيته وقدم اخي
عليّ ولكن ان قدرني الله تعالى لارميه
في محنت القتل وبقى نادان يتفكر في
معتره لخاله حيقار ومن بعد مده طويله
في يوم من الايام مضى نادان وكتب رساله
الى اخيش ابن شاه حكيم ملك الفرس
والعجم ويقول فيها هذا سلام التام
وتحيات واكرام من سنحاريب ملك اثور
ونينوى ومن وزيره وكاتبه حيقار
[11b]
اليك ايها الملك الجليل سلام بيني وبينك
وان في حال وصول هذه الورقه اليك
تقوم تجي عاجلًا والوعد الى بقعة نسرين
واثور ونينوى حتى اسلم اليك المملكه
بلا حرب ولا مصاففه وكتب ايضًا رساله
اخرى باسم حيقار الى فرعون ملك مصر
سلام بيني وبينك ايها الملك المعظم
وان في حال وصول الرسالة اليك تقوم
[تجئ] الى اثور ونينوى الى بقعة نسرين
حتى اسلم اليك المملكه بلا حرب ولا قتال
[12a]
وكان خط نادان يشبه خط خاله حيقار
ثم انه طوى الرسالتين وختم بخاتم خاله
حيقار وارماهم في دار الملك ثم مضى
ايضًا وكتب رساله على لسان الملك
الى حيقار السلام التام على وزيري وكاتبي
وكاتم سري حيقار ان في حين وصول
الرساله اليك اجمع العسكر الذي عندك
كلهم ويكونوا كاملين الكسوه والعدد
واتيني يوم الخميس الى بقعة نسرين
وحين تراني اتيت اليك اجعل العسكر
[12b]
يهيج مقابلي مثل عدو ويقاتلني
لان عندي رسل فرعون ملك مصر حتى
ينظروا قوة عساكرنا ويخافوا منا لانهم
اعداينا ومبغضينا ثم ختم الرساله
وارسلها الى حيقار مع واحد من غلمان
الملك واخد الرساله الواحده الذي
كتبها واعطاها الى الملك وقراها عليه
وارواه الخاتم فلما سمع الملك ما في الرساله
حار حيرة عظيمه واغتاظ وغضب غضبًا
شديد وقال ايش فعلت انا مع حيقار
[13a]
حتى كتب هذه الرساله الى اعداي هذا
مكافاتي من حيقار عوض احساني اليه
فقال له لا تغتم ايها الملك ولا تحزن ولا
تغتاظ اننا نمضي الى بقعة نسرين
وننظر الخبر ان كان صحيح ام لا ولما اتا يوم
الخميس فقام نادان واخد الملك والوزرا
والعساكر وانطلقوا الى الصحره الى بقعة
نسرين فلما وصلوا فنظر الملك الى حيقار
والعسكر مصفوفين فلما نظر حيقار ان
الملك قد اقبل فامر الى العسكر ان يهيجوا
[13b]
الى الحرب ويضربون مصاففة مع الملك
كما وجد في الرسالة وهو لا يعلم اينا بيرًا
حفر له نادان فلما نظر الملك فعل حيقار
اخده القلق والدهش والحيره واغتاظ
غيظا عظيم فقال نادان تنظر يا سيدي ما
فعل هذا الاليم ولكن لا تغتاظ
ولا تتالم بل امضي الى بيتك وانا
اجيب لك حيقار مكتف مقيد بالسلاسل
واطرد عدوك عنك بلا تعب فرجع الملك
الى بيته وهو مقهور من ما فعل بهِ حيقار
[14a]
فاما نادان مضى الى حيقار وقال له والله
لقد فرح اليوم فرحًا عظيم وشكرك حيث
صنعت ما امرك بهِ والان قد ارسلني
الان حتى تطلق العساكر في سبيله
وتمضي انت اليه مكتف مقيد لينظروا
رسل فرعون ذلك لان بقل الملك مهاب
عندهم وعند ملكهم فاجاب حيقار بالسمع
والطاعه وكتف يديه وقيد رجليه
واخده نادان ومضى بهِ الى عند الملك
وكان الملك قد نظر الرسالة الاخرى ايضًا
[14b]
فلما دخل حيقار على الملك سجد امامه
على الارض على وجهه فقال له الملك
يا حيقار كاتبي وولي امري وكاتم سري
ومدبر دولتي قول لي ماذا صنعت معك
من القبيح حتى انت جازيتني بهده
الافعال السمجه ثم اوراه الاوراق بختمه
وخطه فلما نظر حيقار ذلك رجفت
اعضاه وانعقد لسانه للوقت ولم يعد
يقدر يتكلم كلمه واحده من حكمته ومعرفته
بل انه اطرق الى الارض في راسه وسكت
[15a]
فلما نظر الملك ذلك امر ان يقتلوا
حيقار ويضربوا عنقه خارج المدينه فصرخ
نادان وقال يا حيقار يا اسود الوجه
ايش نفعك مكرك وغدرك حتى تفعل هذا
الفعل مع الملك قال وكان اسم السياف
ابو سميك مسكين فامره الملك بان يقطع
عنق حيقار في باب بيته ويبعد راسه
عن جتته ماية دراع فعند ذلك خر
حيقار امام الملك وقال يعيش سيدي
الملك الى الابد فان كان انت تريد قتلي
[15b]
باختيارك وانا اعلم ان ليس لي ذنب
ولكن يطالب الردى برداه لكن ارجو
منك يا مولاي ومن صدقاتك ان تاذن
للسياف ان يعطي جسدي لعبيدي حتى
يدفنوني ويكون عبدك فداك فامر الملك
ان يفعل السياف بهِ كما يريد فاخدوا
حيقار غلمان الملك والسياف ومضوا
بهِ وهو عريان ليقتلوه فلما تيقن حيقار
بقتله ارسل الى زوجته يقول لها وكان
اسمها شغفتني انك تخرجي للقاي
[16a]
ومعكي الف بنت بكر والبسيهم تياب
ارجوان والحرير حتى يبكوا عليّ قبل موتي
واوضعي للسياف مايده له ولغلمانه وامزجي
خمرًا كثير حتى يشربون ففعلت حرمت
حيقار كما امرها زوجها وكانت هي ايضًا
حكيمه عارفه عاقله ماهره قد حوت الادب
والمعرفه فلما وصلوا الجند والسياف و
الغلمان وجدوا المايده موضوعه والخمر
والمواكيل المفتخره فابتدوا بالاكل والشرب
حتى انهم شبعوا [وسكروا] فاخد حيقار
[16b]
السياف في عزله على جنب وقال لهُ
يا ابو سميك لما اراد سرحادوم الملك ابو
سنحاريب الملك يقتلك فاخدتك واخفيتك
في مكان ما احد يعلم فيه حتى ان طلبك
وانا كل يوم كنت ابرّد غلقه حتى طلبك
فلما [أحضرتك] قدامه فرح فيك والان
اذكر الجميل الذي صنعته معك وانا اعلم
ان الملك يندم عليّ ويغتاظ غيظا عظيم
لقتلي لان ليس لي دنب فتكون اذا احضرتني
قدامه في منزلة عظيم فلتعلم ان نادان
[17a]
ابن اختي غشني وصنع معي هذا الصنيع
الردي ولكن سيندم الملك على قتلي
واعلم ان لي سرداب في عتبت بيتي ولا
يعلم بهِ احدًا فاخفيني هنا بعلم زوجتي
اشغفتينى وان لي في السجن عبدًا مستوجب
القتل اخرجه والبسه ثيابي وامر الغلمان
وهم سكارى يقتلوه وما يعرفوا لمن قتلوا
وامرهم ان يبعدوا راسه عن جتته ماية
دراع واعطي جتته لعبيدي حتى يدفنوه
وتكون دخرت عندي هذه الدخيره فعند
[17b]
ذلك فعل السياف كما امره حيقار ومضوا الى
الملك وقالوا له يعيش راس الملك الى
الابد ثم ان اشغفتينى امراة حيقار
كانت [تحضر] لزوجها الاكل والشرب الى
المطموره وكانت كل جمعه تنزل له شي
يكفيه الى جمعة الاتيه ولا يعلم بهِ احدًا
فشاع الخبر وداع وانتشر في اثور ونينوى
ان حيقار الحكيم قد قتل ومات وناحوا
عليه اهل تلك البلاد جميعها وبكيوا وقالوا
يا حيف عليك يا حيقار وعلى علمك وادبك
[18a]
يا اسفاه عليك وعلى معرفتك اين بقا
يوجد مثلك واين يصير فهيم عارف
مدبر يشبهك ويقوم موضعك واما [الملك]
فانه ندم على حيقار حيث لا تنفعه الندامه
فدعا نادان وقال له امضي وخد معك
احباوك واعمل مناحة وبكا لخالك حيقار
ونوح عليه كجاري العاده اكرام لخاطره
فلما مضى نادان الاحمق الجاهل القاسي
القلب الى بيت خاله حتى يبكي عليه فلم
يحزن ولا بكى ولا ناح بل جمع له اناس
[18b]
فاسقين زناه واخدوا في الاكل والشرب
وبدا نادان يمسك الجوار والعبيد الذي
لحيقار ويجلدهم ويعدبهم ويضربهم ضربًا
موجعًا وما يستحي من امراة خاله الذي
ربته مثل ولدها بل طلب ان يقع معها
في الخطيه واما حيقار كان ملقا في المطموره
وهو يسمع بكا عبيده وجواره ويحمد الله
الرحوم ويشكره وكان يصلي دايمًا ويتضرع الى
الله تعالى وكان كل مده بعد مده ياتي السياف
يشرف على حيقار وياخد بخاطره ويدعي
[19a]
له بالخلاص ويمضي في حال سبيله فلما
شاع الخبر الى ساير الاقطار ان حيقار
الحكيم قد قتل فرحت الملوك جميعها
شماتتًا بالملك سنحاريب وتاسفوا على
حيقار وللوقت نهض ملك مصر وكتب
رساله الى سنحاريب الملك يذكر فيها
هكذا السلام التام والتحيت والاكرام
يخص بهِ اخي وعزيزي سنحاريب الملك
واني قد اشهيت ان ابني لي مقصوره
بين السما والارض واريد ان ترسل لي
[19b]
من عندك رجل حكيم ماهر حتى يبني
لي اياها واريده يرد لي جميع مسالاتي
ويكون لك عندي كسيم اثور ونينوى
واخراجهم ثلاث سنين ثم انه ختم الرساله
وارسلها اليه فمل وصلته الرساله
اخدها وقراها هو ووزراه واكابر دولته
فتحيروا وبهتوا فاغتاض الملك غيضًا
شديدًا وبقى محتار كيف يعمل ويفعل
ثم انه جمع المشايخ والعلما والحكماء
والفلاسفه والعزامين والمنجمين
[20a]
وجمع من في بلاده وقروا الرساله
قدامهم وقال لهم من فيكم يمضي الى فرعون
ملك مصر ويرد له جوابه فقالوا يا سيدنا
الملك اعلم ان ليس احدًا كان يعرف يفك
هذه المشكلات سوى حيقار وزيرك
والان ما احدًا يرد جوابه غير نادان ابن
اخته لانه علمه جميع حكمته ومعرفته
فادعيه اليك فلعله يقدر يحل هذه
العقده العسره فعند ذلك دعا الملك
لنادان وقال له انظر هذه المساله وافهم
[20b]
ما فيها فلما قراها نادان قال للملك يا سيدي
الملك اترك الناس لانهم يهدون المحال
من يقدر يبني مقصوره بين السما والارض
فلما سمع الملك كلام نادان صرخ صرخه
عظيمه شديده ونزل عن كرسيه وجلس
على الرماد وبدا يبكي وينوح على حيقار
ويقول يا اسفى عليك يا حيقار يا معلم
بلدي ومدبر ملكي اين اجد مثلك يا حيقار
ويلي عليك يا حيقار يا عارف السراير
والمسايل واين ادور عليك ويلي عليك
[21a]
كيف اهلكتك وعدمتك بكلام صبي على
من كان يوهبك لي او من كان يبشرني ان
حيقار حيًا لكنت اعطيه نصف مالي
ونصف مملكتي لكن من اين ذلك اه يا حيقار
على من كان ينظرك في الحياه حتى كان يشبع
من روياك وكان يعتدر منك يا اسفي
عليك طول الزمان يا حيف عليك كيف
قتلتك وما تمهلت عليك حتى كنت انظر
عاقبة الامر وبقى يبكي وينوح ليلاً و
نهارًا فلما راء السياف غيظ الملك وحزنه
[21b]
وقوله على حيقار فتقدم وسجد امام
الملك وقال يا سيدي امر غلمانك ان
يقطعوا راسي فقال له الملك ويلك
ما ذنبك فقال له السياف يا مولاي كل
عبد يخالف كلام مولاه يقتل وانا قد
خالفت امرك فقال له الملك ويحك يا
ابو سميك في اي شي خالفتني فقال
يا سيدي انت امرتني ان اقتل حيقار
فعلمت انا انك ستندم عليه وانه مظلوم
فمضيت واخفيته في مكان ما احد يعرف فيه
[22a]
وكنت قتلت واحد من عبيده عوضه وهو
الان طيب بالحياه فان امرتني فانا اتيك
بهِ [فإن] اردت قتلي وان اردت اطلقني
فقال الملك ويحك يا ابو سميك انت الان
تهزوا بي وانا سيدك فقال له لا وحياتك
وحيات راسك يا سيدي ان حيقار طيب
بالحياه فلما سمع الملك ذلك الكلام من
السياف وتحقق منه طار من فرحه و
كاد ان يغشى عليه من شده الفرح وامر
الملك باحضاره وقال للسياف يا عبدًا
[22b]
صالح ان كان كلامك هذا هو صدق
اريد انا [أغنيك]وارفع منزلك عند
كل اصحابي فامر للسياف باحضاره
وهو فرحان حتى وصل الي بيت حيقار
ففتح المطموره ونزل الى عند حيقار فوجده
جالس يحمد الله [ويشكره] فصرخ وقال
يا حيقار اتاك الفرج افرح وسر وابتهج
فقال له حيقار وما الخبر فاحكا له جميع
ما جرا من فرعون من الاول الى الاخر
ثم انه اخده ومضى الى الملك
[23a]
فلما نظره الملك وهو في حال العدم وكان
قد طال شعره مثل الوحوش واضافيره
كاضافير النسر وجسده نحل من الزمان
الذي مضى له وكان التراب عبله وغير
لون وجهه وبلى وبقى مثل الرماد
فحزن لاجله وقام اليه واعتنقه وقبله
وبكى عليه وقال له الحمد لله الذي ردك
عليّ بعد الموت ثم انه اخد في خاطره
وسلاه واعتدر منه وخلع على السياف
وانعم عليه واوهبه مالًا جزيل واخد
[23b]
الملك على راحت حيقار فقال حيقار
للملك يعيش سيدي الملك الى الابد
هذه الأفعال هي أفعال أولاد الزنا انا
ربيت لي نخله حتى اتكي عليها فمالت و
ارمتني لكن يا سيدي بعد ان حضرة
امامك فلا يغيظك امر ولا يهمك فقال
له الملك تبارك الله الذي رحمك ونظر
اليك وعرف انك [مظلوم] فخلصك ونجاك
من القتل ولكن امضي الى الحمام احلق
راسك وقص اضافيرك وغير اتيابك
[24a]
واتنعم مدة أربعين يومًا حتى تطيب
نفسك وينصلح حالك ويرد لون وجهك
وبعد ذلك تعال اليّ ثم انه خلع عليه
خلعه سنيه فشكر حيقار للملك وانصرف
الى منزله فرحان مسرور وهو يسبح الله
تعالى ففرحوا بهِ اهل بيته واحباه
وكل من سمع بهِ انهُ بالحياه ففعل كما
امره الملك واخد راحة أربعين يومًا
ثم انه لبس افخر ملبوسه وركب واتى
الى عند الملك وعبيده خلفه وقدامه
[24b]
فارحين مسرورين واما نادان لما نظر
ما جرا اخده الفزع والرعب وبقى حاير
لا يدري ما يصنع فلما دخل حيقار الى عند
الملك سلم عليه فاجلسه بجانبه وقال له
يا عزيزي حيقار انظر هذه الرسالة
الذي أرسلها الينا ملك مصر بعد ان
سمع بقتلك وقد غلبونا وقهرونا
وهربوا اكثر اهل بلادنا الى مصر من
خوف الكسيم الذي يطلبوه منا فاخد
حيقار الرساله وقراها وفهم جميع ما فيها
[25a]
ثم انه قال حيقار للملك لا تغتاظ يا سيدي
انا امضي الى مصر وارد الجواب الى
فرعون واشرح له المساله واجيب
لك منه الكسيم وارد كل الذين هربوا
واخزي اعدايك بعون الله تعالى
وبسعادة دولتك فلما سمع الملك هذا
الكلام فرح وانسر خاطره وانعم عليه
واوهب الى السياف مالًا كثير ثم قال
حيقار للملك امهلني أربعين يومًا
افتكر في هذه المساله وادبرها فاذن
[25b]
له الملك بذلك فمضى حيقار الى منزله
وامر الصيادين يصيدوا له فرخين
نسوره فاصطادوهم وجابوهم له ثم
امر الى الذين يفتلون الحبال ان يفتلوا
شريطين من قطن طول كل واحد الفين
دراع ثم احضر النجارين وامرهم ان
يصنعوا صندوقين كبار ففعلوا ذلك
ثم انه اخد صبيان صغار اسم الواحد
نبوحال واسم الاخر طبشاليم وبقى كل يوم
يدبح خاروفين ويطعمهم للنسوره
[26a]
وللصبيان ويركب الأولاد على ظهور
النسوره ويربطهم عليهم ويربط الشرايط
في رجلين النسوره ويطلقهم الى فوق
قليل قليل كل يوم قدر عشرة ادرع حتى
تطبعوا وتعلموا في مده يسيره وكانوا
يرتفعون على طول الشرايط حتى يصلوا
الى الفضا والأولاد على ظهورهم ثم
انه يسحبهم اليه فلما راء حيقار ان قد
تمت هذه علم الأولاد انهم اذا ارتفعوا
الى الفضا يصرخون ويقولون اوصلوا
[26b]
لنا حجاره وطين وكلس حتى نبني قصر
الملك فرعون لاننا واقفين بطالين ولا
زال حيقار يطبعهم ويدرسهم حتى بقوا على
غاية ما يكون فتركهم ومضى الى الملك وقال
له يا سيدي تم العمل كما تريد لكن قوم تعال
معى حتى اوريك العجب فمضى الملك
وجلسايه مع حيقار الى مكان واسع
وارسل احضر النسوره والصبيان واربطهم
واطلقهم الى الجو على طول الحبال فبدوا الصبيان
يصرخون كما علمهم حيقار ثم جدبهم اليه
[27a]
ووضعهم مكانهم فتعجب ومن معه عجبًا
عظيمًا ثم قام الملك وقبل حيقار بين
عينيه وخلع عليه وقال له امضي بسلام
يا عزيزي وفخر دولتي الى مصر ورد مسايل
فرعون واغلبه بقوه الله تعالى ثم
ودعه واخد حيقار عسكره وجنده
واخد الأطفال والنسوره ومضى قاصد
مصر فلما وصل توجه الى بلاط الملك فلما
علموا اهل مصر ان سنحاريب قد ارسل من
[خواصّه] رجل حتى يتكلم مع فرعون الملك
[27b]
فمضوا واعلموا الملك فارسل جماعة من
خواصه ليحضروه بين يديه فاتى ودخل
قدام فرعون وسجد امامه كما يليق للملوك
وقال له سيدي سنحاريب الملك يهديك
جزيل السلام وقد ارسلني انا واحدًا من
عبيده حتى ارد لك جوابك واقضي لك جميع
ما اردت وانا مامور بكل ما تحتاج اقضيه
لانك أرسلت تطلب من سيدي الملك
رجلًا يبني لك مقصوره بين السما والأرض
وانا بعون الله تعالى وبهمتك الشريفه ابني
[28a]
لك مقصوره كما تشتهي وتريد لكن على
العهد الذي قريت فيه عن كسيم مصر ثلاث
سنين لان قرار الملوك دينًا تامًا فان غلبتني
وقصرت يدي عن جوابك فيرسل لك سيدي
كسيم الذي ذكرت وان اجبتك عن ما تريد
ارسل الى سيدي كسيم الذي ذكرت وامرت
فيه فلما سمع فرعون هذا الكلام تعجب
وتحير من انطلاق لسانه وحلاوة كلامه
فقال له يا رجل ما اسمك فقال له عبدك ابيقام
وانا نمله من نمل سنحاريب الملك فقال فرعون
[28b]
اما كان عند سيدك ارفع شان منك حتى
ارسل لي نمله تجاوبني وتتكلم معي فقال له
حيقار ارجو من الله تعالى اني اتمم ما في
خاطرك يا سيدي لان الله مع الضعيف
ليتعجب القوي فعند ذلك امر فرعون ان
يهيّوا الى ابيقام منزلًا والى جنده ومن
معه ويجعلوا لهم العلافه والاكل والشرب
وجميع ما يختص بهم بغاية ما يكون فلما كان
من بعد ثلاثة ايام لبس فرعون الارجوان
الأحمر وجلس على كرسيه وكل عظمايه
[29a]
ووزراه واقفين مكتفين الايادي جاملين
الرجلين فارسل احضر حيقار الذي اسمه
ابيقام الى عنده فلما دخل اليه سجد امامه
ووقف فقال له فرعون يا ابيقام لمن
اشبه انا واكابري ووزراي لمن يشبهوا
فقال له ابيقام يا سيدي انت تشبه لبيل
الصنم واكابرك يشبهون لخدامه فقال
له امضي وفي الغد تعال الى هنا فمضى
حيقار كما امره فرعون وفي الغد اتا الى
قدام فرعون فسجد ووقف بين يديه
[29b]
وكان فرعون قد لبس احمر ملون وعظمايه
قد لبسوا ابيض فقال له فرعون يا ابيقام
لمن اشبه انا واكابري لمن يشبهون
فقال يا سيدي انت تشبه الشمس وخدامك
يشبهون الشعاع فقال فرعون امضي
الى منزلك وفي الغد تعال الى هاهنا
فمضى فامر الملك وأوصى اكابره ان
يلبسوا ابيض صافي ولبس هو ايضًا
كذلك وجلس على كرسيه وامر باحضار
ابيقام فقال له فرعون لمن اشبه انا
[30a]
واكابري لمن يشبهون فقال له يا
سيدي انت تشبه القمر وخدامك
وجنودك يشبهون الكواكب والنجوم
فقال له امضي وفي الغد تعال لى هاهنا
ثم امر فرعون [لعظمائه] ان يلبسوا اثياب
ملونه مختلفة الألوان ولبس هو ثوب
مخمل احمر وجلس وامر باحضار ابيقام
فدخل اليه وسجد امامه ووقف فقال
له يا ابيقام لمن اشبه انا وجندى لمن
يشبهون فقال يا سيدى انت تشبه
[30b]
الى شهر نيسان وجنودك واكابرك
يشبهون الى بينونه وزهره فلما سمع فرعون
ذلك فرح فرحًا عظيم وقال يا ابيقام اول
مره شبهتني لبيل الصنم وثاني مره
شبهتني للشمس وثالث مره شبهتني
للقمر ورابع مره شبهتني لشهر نيسان
واكابري الى بيبونه وزهره لكن قول الان
سيدك سنحاريب لمن يشبه واكابره
لمن يشبهون فقال حيقار حاشا لي ان
اذكر سيدي وانت جالس على كرسيك
[31a]
لكن قوم على رجليك حتى اقول لك سيدي
لمن يشبه واكابره لمن يشبهون فتحير
فرعون من حرارة لسانه وشجاعته في
كلامه ثم انه قام عن كرسيه ووقف
نصب حيقار وقال قول لي الان حتى
ابصر سيدك لمن يشبه واكابره لمن
يشبهون فقال له سيدي يشبه الاه السما
واكابره يشبهون البرق والرعد فان اراد
هبة الارياح ونزل المطر وان امر الرعد
فيبرق ويرعد ويامر الشمس فلا تعطي
[31b]
ضوها والقمر والكواكب لم يسيرون ويامر
العواصف فتهب وتنزل الامطار ويخبط
نيسان وينتر زهره وبيبونه فلما سمع فرعون
هذا الكلام حار حيره عظيمه واغتاظ
غيظًا شديد وقال له يا رجل قول لي
الصحيح وعرفني من انت حقًا فقال له
انا حيقار الكاتب اكبر خواص الملك
سنحاريب وانا وزيره ومدبر دولته
وكاتم سره فقال له فرعون صدقت يا
حكيم في هذا القول وهذا الكلام حقًا
[32a]
ولكن نحن سمعنا ان حيقار قد مات
وها انت طيب بالحياه فقال له حيقار
نعم كان ذلك ولكن الحمد لله عالم الخفيات
لان سيدي الملك امر بقتلي واعتقد على
قول المفسدين ولكن الرب نجاني فالطوبى
لمن اتكل عليه فقال له فرعون امضي وفي
الغد تعال الى هاهنا وقول لي كلمة ما
احدًا سمعها وانا ما سمعتها ولا اكابري
ولا من اهل دولتي وبلدي فمضى حيقار
الى منزله وكتب رساله يقول فيها هكذا
[32b]
من سنحاريب ملك اثور ونينوى الى
فرعون ملك مصر سلام عليك يا اخي وان الذي
تعلم بهِ ان الأخ يحتاج الى أخيه والملوك
تحتاج الى بعضها بعض والرجا منك ان
تقرضني تسعماية قنطار دهب لاني احتجت
الى علوفت بعض العسكر حتى انفق عليهم
ثم طوا الرسالة واحضرها في الغد قدام
فرعون فلما قراها تحير وقال بحق اني
لم سمعت هذه الكلمت قط ولا احدًا اتفوه
فيها فقال له حيقار بحق ان بقا هذا عندك
[33a]
لسيدي الملك فقبل فرعون ذلك وقال
يا حيقار مثلك من يصلح لخدمة الملوك
تبارك الله الذي كملك بالحكمه وزينك
بالفلسفه والمعرفه والان بقا مرادنا
منك تبني لنا المقصوره بين السما
والأرض فقال حيقار السمع والطاعه
انا ابني لك مقصوره كما تريد ايضًا وتختار
ولكن هيي لي الكلس والحجاره والطين
والفعاله وانا عندي معلمين وبنايين
فيبنوا لك كلما تريد فهيا الملك فرعون
[33b]
جميع ذلك ومضوا الى مكان واسع
ومضى حيقار وغلمانه واخد النسوره
والصبيان معه ومضى الملك وجميع
اهل مملكته وعساكره باسرها حتى ينظرون
ما يصنع حيقار فعندما وصلوا اخرج
حيقار النسوره من [الصناديق] وربط
الصبيان على ظهور النسوره وربط الشرايط
بارجلهم واطلقهم الى الجو فارتفعوا حتى بقوا
بين السما والأرض وبدوا يصرخوا ويقولوا
اوصلوا لنا طين وحجر وكلس حتى نبني
[34a]
قصر الملك لاننا واقفين بطالين فعند
ذلك بهتوا جميع الحاضرين وتعجبوا و
تحيروا وتعجب الملك واكابره وبقا حيقار
وغلمانه يضربوا الفعاله ويصرخوا على جند
الملك ويقولوا لهم قدموا للمعلمين ما يريدوا
ولا تعوقوهم من شغلهم فقال فرعون يا
حيقار انت مجنون من يقدر يوصل لهذا
البعد شيًا فقال لفرعون يا سيدي كيف
يبنا قصر في الجو لكن لو كان سيدي الملك
هاهنا كان يبني مقصورتين في يوم واحد
[34b]
فقال له فرعون امضي يا حيقار الى منزلك
واستريح اليوم لأننا عبرنا في بنيان
القصر وفي الغد تعال الى عندي فمضى
حيقار الى منزله وفي الغد حضر قدام
فرعون فقال له يا حيقار كيف خبر حصان
سيدك لانه اذا صهل في اثور ونينوى
يسمعون خيلنا صوته فيطرحون فتركه
حيقار ومضى اخد سنوره وربطها
وبدا يجلدها جلدًا شديدًا حتى سمعوا
المصريين حسها فمضوا واعلموا الملك
[35a]
فارسل واحضره وقال له يا حيقار لاي
سبب تجلد هذه السنوره وتضربها هذا
الضرب هذه ما هي حيوان اخرس فقال له
حيقار يا سيدي الملك قد فعلت معي فعل
قبيح فاستوجبت هذا الضرب والجلد
فقال فرعون وما هو هذا الفعل الذي
فعلته معك فقال حيقار قد كان سيدي
سنحاريب الملك اوهبني ديك مليح وكان
له [صوت] عظيم صحيح وكان يعرف ساعات
الليل فمضت هذه السنوره المفسوده في
[35b]
هذا الليل قطعت راسه واتت فلاجل
هذا باديتها بهذا الضرب والجلد فقال له
فرعون يا حيقار ارك لما تكبر تخرف لان
بين مصر ونينوى تمانية وستون
فرسخ فكيف مضت هذه السنوره في
هذه الليله وقطعت راس الديك واتت
الى هنا فقال له حيقار يا سيدي اذا
كان بين مصر ونينوى هذه المسافة
كيف اذا صهل حصان سيدي الملك يسمعوا
خيلكم فيطرحون وكيف يصل حس الحصان
[36a]
الى مصر فلما سمع ذلك فرعون من حيقار
علم انه رد جوابه عليه فقال له يا حيقار
اريد ان تعمل لي حبلين من رمل البحر فقال له
حيقار ارسم ان يخرجوا لي من الخزانه
حبل حتى اصنع مثله فاخرجوا له حبل
ثم ان حيقار مضى الى قفا البيت وتقب
تقبين على غلظ الحبل واخد حفنة رمل
من البحر فلما طلعت الشمس ودخلت في
الابخاش بدر الرمل في الشمس حتى بقى
مثل الحبال وقال لفرعون امر عبيدك
[36b]
ان ياخدوا هذه الحبال وكل ما تريد افتل
لك مثلها فقال فرعون يا حيقار لنا هنا
حجر رحا قد انكسرت اريد منك ان تخيطها
فنظر حيقار فوجد هناك حجر اخر فقال
لفرعون يا سيدي انا هاهنا رجل غريب
وليس معر الة الخياطه لكن اريد منك
ان تامر لاصدقاك الاساكفه ان يقدموا
لي من هذا الحجر مخارز ومخيطه وكاز
حتى اخيط لك هذه الحجر الرحا فضحك
فرعون الملك وكل اكابره وقال تبارك الله الذي
[37a]
اوهبك هذه الدكاوه والمعرفه فلما نظر
فرعون ان حيقار قد رد عليه جوابه
وقضى مسايله انقهر للوقت وامر ان
يجمعوا الكسيم عن ثلاثة سنين و
يقدموه الى حيقار مع الدين الذي كتبه
حيقار وخلع عليه وعلى عسكره وغلمانه
واعطاه خرجية الدرب وقال له امضي
بالسلام يا عز سيده وافتخار استاده
مثلك من يكون مدبر ملوك وسلاطين
واقرا سلامي على سيدك سنحاريب الملك
[37b]
وقول له لا يواخذنا بما اهديناه لان
الملوك تقنع بالقليل فقبل حيقار ذلك
منه ثم انه قبل الأرض قدامه وقال له
اريد منك يا سيدي ان تامر ان لا يبقا
احدًا في ارض مصر من اثور ونينوى حتى
يمضي مع حيقار فارسل فرعون مناديًا
ينادي كما قال له حيقار فعند ذلك مضى
حيقار وودع الملك فرعون وصار طالب
ارض اثور ونينوى ومعه من الخزاين
والأموال شيًا كثير فلما بلغ الخبر
[38a]
لسنحاريب الملك خرج الى لقا حيقار
وفرح بهِ فرحًا عظيم وقبله وقال له
اهلًا وسهلًا ومرحبا في ابي وعز
دولتي وفخر ملكي اطلب مني ما
تشتهي وتختار لو اردت نصف ملكي
ومقتناي فقال له حيقار يعيش سيدي
الملك الابد ان كان تريد تنعم عليّ
انعم على ابو سميك السياف لان بموافقته
مع إرادة الله تعالى كانت حياتي ثانيًا
فقال كرامة لك يا عزيزي انا اكرم عليه
[38b]
ثم انه بدا يساله عن ما جرى له مع فرعون
من الامثال والرموز وكيف قدم
له الأموال والهدايا والكسيم والخلع
فاحكى له بجميع ما جرى ففرح سنحاريب
الملك فرحًا عظيم ومن بعد ما تم الكلام
فقال له الملك يا حيقار خد ما تشتهي
وتحب من هذا جميعه فهو في قبضة
يدك فقال حيقار يعيش الملك الى الابد
انا ما اريد الا سلامتك ودوام دولتك
ايش اعمل انا في المال وغيره لكن ان
[39a]
كنت تريد تنعم عليّ بشي فانعم عليّ
في ابن اختي نادان حتى اجازيه بما فعل
معي ولكن اريد منك ان توهبني دمه
وتحاللني فيه فقال له سنحاريب
خده قد اوهبتك إياه فاخده حيقار
وربط يديه ورجليه واخده الى منزله
وجعل في رجليه قيد تقيل وضربه ضربًا
شديدًا موجع على رجليه وظهره وبطنه
واباطات سيقانه وبعد الضرب القاه
في مكان مظلم بجانب الكنيف وجعل عليه
[39b]
نبوحال حارسًا وامره ان يعطيه كل يوم
رغيف خبز وما قليل وكان حيقار كل ما
يدخل ويخرج يعاقب نادان ويقول له
بحكمه يا بني عملت معك كل خير واحسان
وانت باديتني عوضه بالقبيح والردا
والقتل يا بني قيل بالامثال من لا يسمع
من ادنيه من قفا رقبته يسمعوه
فقال له نادان يا خالي لاي سبب انت
غضبان عليّ قال له حيقار لاجل اني
وقرتك واكرمتك وعظمتك وربيتك
[40a]
احسن تربيه وعلمتك حتى تكون وريتي
في العلم والحكمه والمال فباديتني بالقتل
ورمت هلاكي لكن الرب علم انني مظلوم
فخلصني من شرك لان الرب يجبر قلوب
المنكسره ويدل الحسودين المتكبرين يا بني
صرت مثل عقرب اذا ضربت [زنابتها]
في النحاس ثقبته يا بني صرت ليّ
مثل السجالمة المربوطه في الشبكه فلا
تقدر تخلص روحها ونفسها بل تدعي
الحجل لترميهم معها يا بني انت صرت ليّ
[40b]
مثل الكلب الذي برد فدخل الى بيت
الفخار ليدفا فلما دفى بدا ينبح عليهم
فضربوه وطردوه ليلا يعضهم يا بني انت
صرت ليّ مثل الخنزير الذي دخل الى الحمام
مع الاكابر فلما خرج نظر جورة سيان
منتنه نزل تمرغ فيها يا بني انت صرت
مثل التيس الذي يدخل ويدخّل ارفاقه
للدبح ولا يقدر يخلص روحه ونفسه
يا بني يدًا لا تتعب وتفلح وتكون حريصه
وشاطره تقطع من اباطها يا بني انت
[41a]
صرت مثل الشجرة الذي قطعوها وفروعها
معها فقالت لولا ما في يدكم مني لما قدرتم
على قطعي يا بني انت صرت مثل السنوره
التي قالوا لها بطلي السرقه حت نصنع لك
قلايد من ذهب ونطعمكي سكر ولوز
فقالت لهم انا صنعت ابي وامي لست بنساها
يا بني انت صرت مثل تعبانًا راكبًا على
عوسجه وهم في وسط النهر فنظرهم ديب
وقال شر على شر والذي اشر منهم
يدبرهم اتنينهم يا بني انا ماكولًا جيد اطعمتك
[41b]
وانت خبز حاف ما اطعمتني انا السكر
والشراب الجيد اسقيتك وانت ماء من
البحر ما اسقيتني انا علمتك وربيتك
احسن تربيه وانشيتك مثل الأرز الطويل
وانت جدبتني واعكفتني من اساياك
يا بني انا كان املي انك تبني لي برجًا
حصين لاستتر فيه من اعداي وانت
صرت لي كالدافن في بطن الأرض ولكن
الرب رحمني يا بني انا اردت لك الخير
وانت جازيتني شرًا وقبيح والان اريد
[42a]
اقلع عينيك واجعلك ماكلًا للدياب و
اقطع لسانك وفي حد السيف اخد راسك
واجازيك عوض افعالك الشنيعه
فاجاب نادان وقال لحيقار خاله
اصنع معي مثل معروفك واغفر لي اثامي
لان مثلي من يخطى ومثلك من يغفر واقبلني
الان ان اخدم في بيتك واسوس خيلك
واكنس ذبلهم وارعا خنازيرك لاني
انا الشرير وانت الصالح انا المدنب
وانت المسامح فقال لهُ حيقار يا بني
[42b]
انت مثل الشجرة التي كانت على جانب
المآء عديمت التمر فاراد صاحبها يقطعها
فقالت له حولني الى موضع اخر فان لم
اتمر فاقطعني فقال لها صاحبها وانتي
على جانب المآء لم [تثمري] فكيف تتمري
وانت في غير مكان يا بني شيخوخة
النسر اخير من شبوبية الغراب يا بني
قالوا للديب ابعد عن الغنم ليلا يوديك
غبارهم فقال لهم ان غبارهم نافع لعيناي
يا ولدي ادخلوا الديب للكتاب حتى يتعلم
[43a]
القراءه فقالوا له قول الف با تا سا
فقال خاروف عنز جدي غنم كما في
بطني يا بني وضعوا راس الحمار على
المايده فوقع وبدا يتمرغ في التراب
فقال دعوه يتمرغ لان طبعه ما يتغير
يا بني قد تبت القول لمن قال اذا ولدت
ولدًا ادعيه ابنك واذا ربيت ولدًا
ادعيه عبدًا يا بني الذي يعمل الخير خيرًا
يلقا والذي يصنع الشر شرا يلقا
لان الرب يجازي الانسان على قدر عمله
[43b]
يا بني ايش اقول لك اكثر من هذا الكلام
لان الله عالم بالخفايا ويعرف السراير
والضماير فهو يجازيك ويحكم بيني
وبينك ويكافيك بما تستحق فلما سمع
نادان هذا الكلام من خاله حيقار
انتفخ لوقته وبقى مثل الزق المنفوخ
وورمت اعظاه وساقيه ورجليه
واجنابه واتمزق وانشق بطنه وتبددت
مصارينه وهلك ومات وصارت اخرته
للهلاك ومضى الى جهنم وبيس المسير
[44a]
كما قيل في الكتب ان الذي يحفر لاخيه
حفره يقع فيها والذي ينصب فخًا لغيره
يقع فيه. وهذا ما وجدناه
من خبر حيقار الحكيم
تمت بالخير
لله المجد
امين
Distributed under a Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) License.

Holder of rights
Niedersächsische Staats-und Universitätsbibliothek Göttingen

Citation Suggestion for this Object
TextGrid Repository (2026). The Story and Proverbs of Ahiqar the Wise. Arabic. Cambrigde Add 3497. Cambrigde Add 3497. The Story and Proverbs of Ahiqar the Wise. Niedersächsische Staats-und Universitätsbibliothek Göttingen. https://hdl.handle.net/21.11113/3rb41.0