1.
2.
[39r]نبتدي بعون الله تعالى وحسن توفيقه ونكتب
قصة حيقار الحكيم الفيلسوف الفارسي
الماهر قال كان في ايام سنحاريب الملك ابن
سرحادوم ملك اثور ونينوى رجلًا حكيم فيلسوف
يسما حيقار وكان وزير الملك سنحاريب وكاتم سرّهُ
ومدبّر دولتهُ وكان له اموال لا توصف وخيل وجمال
وعبيد وجوار ودور وقصور وبساتين وكان لهُ
ستين امراه وكان منهن واحده حكيمه ماهره جدّا تسما
اشفغنى ولم يكن لهُ ولد وكان حزين القلب لذلك
فاشاروا عليه المنجمين ان يدخل الى الالهه ويقدم لهم
القرابين والدبايح ويتضرع اليهم لعل يرزقوه ولدًا
فقام حينيدٍ ودخل الى بيت الاصنام وقدّم الذبايح
والقرابين والبخور وتضرع الى الالهه ان يرزقوه
ولدًا يرثهُ ويغمض عينيه ويدفنهُ فلم يجيبوه الالهه
بشي ولا افرجوا لهُ كرب فحزن لذلك وتالم وبكى بكاءً مرًّا
[40v]ثم انهُ بعد ذلك رجع يتضرع الى الله تعالى ويقول
يا الاه السماء والارض يا خالق الخلايق جميعًا
اطلب اليك ان توهب لي ولدًا حتى يرثني وعند
موتي يغمض عيناي ويدفنني فاتاه صوت يقول
لهُ حيث انك اتّكلت على الالهة وجعلت رجاك
عليهم وقرّبت لهم القرابين لاجل ذلك تبقا بلا بنين
ولا بنات بل نادان ابن اختك خدهُ واجعلهُ
لك ابنًا وعلّمهُ علمك وحكمتك وهو يرثك
ثم انه اخد نادان ابن اخته وكان طفلًا صغير
وسلّمهُ الى المرضعات ليرضعوه ويربوه وكان
يطعمهُ الزبده والعسل والسمن والسكر ويلبسهُ
الحرير والارجوان ويرقدهُ على الطنافس اللينات
والمخامل فلما كبر نادان ونمى مثل الارز الطايل
علّمهُ الكتابه والقراآة والفلسفه والحكمه حتى انه
بلغ العلم الى منتهاه ثم ان حيقار مضى بعض الايام
[40r]الى عند سنحاريب الملك وكان الملك قد اتى من بعض
اسفاره فدخل اليه وسلّم عليه فترحب به الملك
وفرح فيه فنظره قد كبر وشاخ فقال لهُ ايها
الصاحب الامجد المحب الصادق والحكيم الماهر
وزيري ومدبري وكاتم سري اراك قد كبرت
وشخت قوي فقول لي من يدبّر دولتي ويخدمني
بعدك فقال له حيقار تعيش يا سيدي الملك
الى الابد هودا لي ابن اخت وقد جعلته ابني
فقال له الملك امضي وهاته الى عندي حتى
انظرهُ وابصر [إن كان] يصلح لخدمتي كما يليق فانا
اقيمهُ مكانك يقوم بحوايجي وانت اطلق سبيلك
واريحك من تعبك وتعيش باقي عمرك بكرامة حسنه
حينيد مضى حيقار الحكيم واحضر نادان ابن
اخته الى قدام الملك فلما نظره الملك فرح فيه
[41v]وقال لحيقار الرب يحفظ ابنك هذا وكما انت
خدمتني وخدمت والدي من قبلي هكذا ابنك
هذا يخدمني ويقوم مقامك بتدبير دولتي
وانا اكرمه واعزّه لاجل كرامتك وانعم عليه
بجميع ما يختار فسجد حيقار الحكيم للملك
⟨وقال له⟩ تعيش يا سيدي الى الابد اشتهي من احسانك
ان تطول روحك على ابني نادان وتكون تسامح
له غلطاته حتى يكون يخدمك كما ينبغي كما خدمتك
انا ولوالدك من قبلك فحلف له الملك انه يكرمه
ويمهل روحه عليه ويصنع معهُ كل خير فقبّل يدهُ
واخد نادان ابن اخته ومضى يعلمه الليل
والنهار حتى اشبعهُ علم وحكمه ومعرفه اكثر
من الخبز والماء وهكذا كام يعلمهُ بهذه الامثال
هذه أمثال حيقار الحكيم وعلومهُ الحسنة
يا بني اسمع كلامي واتبع رايي يا بني اذا سمعت
[41r]كلمة كون اخفيها في قلبك ولا تفشيها الى غيرك
ليلا تصير جمرة نار وتحرق لسانك وتجعل الالم في
جسمك وتكسبك العار وتخزا من الله ومن الناس
يا بني عقد مختوم لا تحلّ وعقد محلول لا تختم
يا بني اذا سمعت شيًا لا تحكيه واذا نظرت شيًا
لا تكشفه يا بني سهّل خطابك وبادر الى السمع
ولا تبادر الى ردّ الجواب يا بني لا تشتهي الحسن
البراني لان الحسن يبلا ويجوز والدكر الصالح
والاسم الجيد يدوم ويبقا الى الابد يا بني
لا تخدعك امراة سفيهه بكلامها لان من كلامها
تنبع المراره وسمّ الموت وفي المصيده تتعرقل
وفي الفخ تصطاد يا بني اذا بصرت امراه مزينه في
الكسوه وتتدهن في الادهان الطيّبه وهي في
نفسها وقحه سفيهه فلا تشتهيها في قلبك
فلم تجد فيها فايده بل تكسب الخطيه وتغضب الله عليك
[42v]يا بني لا تكون مثل شجرة اللوز لانها قبل الاشجار
جميعها تخلف وتورق واخر الكل تطعم بل كون
مثل شجرة التوت التي قبل الكل تطعم ثمرتها يا بني
احني راسك وانظر الى اسفل وليّن صوتك وكون
متادب راكن وديع ساكت ولا تكون سفيه متكبر
ولا ترفع صوتك بافتخار وبهرجه لان لو كان بصوت
عالي يبنا البيت كان الحمار يبني كل يوم بيوت كثيره
يا بني نقل الحجاره مع رجل حكيم اخير من شرب الخمر
مع رجل اليم يا بني اسكب خمرك على قبور الصالحين
ولا تشربهُ مع اناس شريرين وقحين يا بني
لا تعقد سرك مع اناس جاهلين لانهم لا يستطيعوا
ان يكتموه يا بني التصق الى اناس حكيمين من
الله خايفين فانك تتشبه اليهم ولا تلتصق الى
اناس جاهلين ليلا تكون مثلهم وتتعلم طرايقهم
الرديين يا بني لاتقتني صاحب ومحب حتى تجربهُ
[42r]وبعد ذلك اقتنيه ولا تشكر انسان حتى تجربهُ يا بني
لا تضيّع كلامك مع [من هو] غير حكيم ولا تضيّع جميلك
مع الاحمق والجاهل يا بني لا ترافق الاحمق ولا تخالط
الشرير ليلا تتعلم طرايقهم وتُبغض من الله ومن
الناس يا بني مادام في رجلك خف دوس بهِ على
الشوك والدردار واعمل طريقًا لبنوك وبني بنوك
يا بني عدّل سفينتك مادام لك زمان السكون
من قبل ان تهيج الامواج ويضطرب البحر وتكثر
عواصفه ويغرق المركب في غمق [المياة] يا بني
الغني اذا اكل الحيه يقولون الناس لاجل منفعة
الشفاء واذا اكلها الفقير يقولون من جوعه اكلها
لان بالجهد العظيم يوجد رجل بار يا بني لا تاكل غير
رزقك فقط ولا تطمع على رزق غيرك واقنع
بما قسم الله لك يا بني رجل احمق لا تعاشر ومع من
لا يستحي لا تاكل خبز ولا تعقد معهُ سرًا ولا تنازع معهُ
[43v]يا بني لا تفرح في اسيّة جيرانك واذا اسا اليك عدوك
باديه بالاحسان والجود يا بني الجاهل يعثر ويقع
والرجل العاقل ما يتزعزع واذا وقع يقدر ان يقوم
واذا مرض يقدر ان يعالج نفسه واما الجاهل الاحمق
ليس يقدر يقوم وليس لعلّته دوا يا بني اذا استقبلك
رجل اقلّ منك استقبلهُ وانت قايم فان هو لم
يكافيك يكافيك ربهُ عوضهُ يا بني لا تغفل عن ضرب
ابنك فان الضرب للولد مثل الزبل للبستان
ومثل ربط الكيس ومثل ربط البهيمه ومثل غلق
الباب يا بني لا تقرب الى امراة سفيهه لان جمال النسا
هو مستحاهن وليس جمالهن زينة ثيابهن والحسن
البرّاني يا بني مثل مراود دهب في ادان الوحش
وليس له فايده كدلك امراة جميلة المنظر وهي وقحه
سفيهه ردية الطبع والمعرفه يا بني اضبط ابنك من
الشر وادّبه قبل ان يكبر ويتمرد عليك ويهينك بين
[43r]اصحابك ويحني راسك بين الشوارع والمحافل
وتتعاقب انت بسوء افعاله الرديه يا بني اقتني
تور مربع وحمار كبير الاضلاف والحوافر ولا تقتني
تور قرناني ولا تصاحب رجل دقناني يا بني لا تقتني
عبد هارب ولا جاريه سراقه لان كل شي تسلمهُ
لهم يهلكوه يا بني لا تحوج والديك يلعنوك فيستجيب
الله منهم لانه قيل من يشتم ابوه وامهُ موت يموت
اعني موت الخطيه ومن يكرم والديه تطول حياتهُ
في الارض ويصادف كل خير يا بني لا تمشي في الطريق
بغير سلاح لانك لا تعلم اين يلتقيك العدو
الذي هو الشيطان الشرير بل كون كالشجره المجلّله
بورقها وقضبانها لان هكذا الرجل مع امراتهُ واولاده
واخوته يشبه لمثل هذه الشجره واما الرجل الذي
ليس له اولاد ولا امراه ولا اخوة فهو في الدنيا
معيره لاعدايه وممقوت عندهم والرجل الذي هكذا
[44v]فهو شبه الشجره التي على جانب الطريق كل من يعبر
ياكل منها وحيوان البر ينثر ورقها يا بني لا تقول
ان سيدي احمق وانا حكيم ولا تتكلم عند سيدك
كلام جهل وحماقه ليلا تكون عنده بعينًا مردوله
يا بني لا تكون من الذين يقولون لهم اسيادهم
اخرجوا عننا بل من الذين يقولون لهم ادنوا
وتعالوا يا بني لا تشتم ربك ليلا يسخطك
ويضيّق سُبلك وينتقم منك في الدنيا والاخره
يا بني عنزة تكثر خطواتها تصير ماكلًا للذيب
يا بني حسّن كلامك وحلّي لسانك ولا تترك
رفيقك يدوس على رجلك ليلا يدوس على صدرك
يا بني اضرب الحكيم بكلام الحكمه فيبقا في قلبه
مثل الحميّة الرفيعه وان ضربت الجاهل بالعصاه
لا يعرف ولا يفهم ولا يسمع يا بني اذا ارسلوك
في حاجة فوز بقضاها عاجلًا وان ارسلت
[44r]الحكيم في حاجة لا توصّيه كثير وان ارسلت الاحمق
فلا تكلمهُ بل امضي انت واقضي كما تريد واياك
تعادي رجل اقوى منك فلعلّهُ يزين وزنك وينتقم
منك يا بني جرّب ابنك وغلامك قبل ان تسلّم
لهم رزقك ومالك لان من تكون يدهُ ممتليه يدعا حكيم
ومن كانت يده فارغه يدعا مسكين يا بني اكلت
العلقم وبلعت الصبر وما وجدت امرّ من القلّه
والصبر يا بني علّم ابنك الضيق والجوع حتى
يعرف يحسن تدبير بيتهُ يا بني لا تكشف حالك
لصاحبك ليلا تكون عنده خسيس بل اكتم امرك كيف
ما كنت ويكون تكلانك على الدي يعلم السر والجهر
يا بني عما العين احسن من عما القلب لان
الاعما العينين يهتدي قليلًا قليل واعما القلب لم
يهتدي الى الطريق بل يترك الدرب المستقيم ويمضي
في الاعوجاج يا بني عثرة المرء برجلهِ أخير من عثرتهِ بلسانه
[45v]يا بني صاحب القريب خيرًا من اخاً بعيد واسمًا
جيّد اخير من دهن يفرغ ويتّم والاسم
الجيد يدوم ويبقا الى الابد والحسن يبلا والعالم يبطل
والدنيا باسرها تزول والاسم الجيد لا يبطل ولا يجوز
يا بني رجلًا له راحه موتهُ خيرًا من حياته
وصوت البكا خيرًا من صوت الغنا لان الحزن والبكا
فيهم مخافة الله يا بني مالًا قليل مجموع خيرًا من مالًا
كثير مبدّد وكلب حي خيرًا من اسد ميّت وانسان
فقير يعمل خير فهو خيرًا ممن هو غنيًا دو حسب
وهو ميت بخطاياه لان المال يُطمر في الأرض وفعل الخير
يصل الى علو السماء يا بني اطمر الكلمه في قلبك يكون لك
حسنًا واياك ان تكشف سرّك لصاحبك ولا تخرج من
شفتيك الكلمة حتى تشاور قلبك فهو اجود لك واخير
يا بني لا تقوم بين الذين يتخاصمون لان من كلمة السوء
تكون الخصومه ومن الخصومه يكون الحرب ومن الحرب
[45r]يكون القتال فتلزمك الشهاده وانت فرّ من هناك
واستريح يا بني لا تقوم مقابل [من هو]اقوا منك بل اقتني
لك الروح الطويل والاحتمال ومشيّةً صالحه لان ليس
شيًا افضل منهما يا بني لا ترفض الصديق القديم
لان الجديد لا يدوم وافتقد المسكين في ضيقته
وحدّث له قدام السلطان واجتهد حتى تطلقه من فم
السبع يا بني لا تفرح في موت عدوك لانك بعد قليل
تكون جاره ومن هزلك وقّره واكرمه واسبق عليه
بالسلام يا بني [إن كان] الماء يقوم في المجرا والعصافير
تطير الى علو السما والغراب الأسود يصير ابيض
والمرّ يحلا مثل العسل فيمكن ان الجاهل والاحمق
يتادبون يا بني ان اردت ان تكون حكيم اضبط لسانك
من الكذب ويدك من السرقه وعينك من النظر السوء
فتدعا عند ذلك حكيم وكون وديع متواضع وانت في
شبوبيتك فتكرم وتتوقر عند شيخوختك
[46v]يا بني لا تقوم مقابل رجل في رياسته ولا مقابل النهر
في زيادته ولا تسعى في زواج لان ان كان خيرًا لم
يحمدوك وان كان شرًا يشتموك ويلعنوك يا بني
ان سرقت سرقه وعلم بها السلطان اعطيه منها جزو
تتخلص وان لم تعطيه تدوق المرار يا بني صاحب
لمن تكون نفسه ممتليه شبعانه ولا تصاحب لمن تكون
فارغه جوعانه يا بني اربعه لا يثبت معها ملك ولا
عسكر مخالفة الوزير وسو التدبير وخُبث النيّه
وظلم الرعيه واربعه ليس يختفي العاقل والاحمق
والغني والفقير يا بني دع يضربك الحكيم بعصاه
ولا يدهنك الجاهل بدهن طيّب يا بني من صدّق
كلام الحكما وكثرت محبتهُ لهم نال عز الدنيا وشرف
الاخره كملت وصايا حيقار الحكيم وامثاله
فلما تم حيقار تعليمه لنادان ابن اخته كان يظن انه
قد حفظ جميع ما اوصاه وانه يجازيه عوض ذلك التعب
[46r]بما يجب ولم يعلم انه يباديه بالسّب والشتم والقتل
فابتدا نادان من ذلك اليوم اين ما حظر يدّم خاله حيقار
ويسبّه ويقول ان خالي حيقار قد خرف وجنّ
وبدا يبدّد الأموال ويضرب العبيد والجوار ويبيع
الخيل والبغال والجمال وتصرّف في جميع ما يملك
خاله فلما نظر حيقار ان ليس لهُ شفقه على مقتناه
ولا على ماله وبيته طردهُ واعلم فيه الملك
فارسل الملك احظر نادان اليه وقال لهُ لا يكون لك
ان تتصرف في مقتنا خالك حيقار كلما هو طيب فلما
خرج من عنده نادان طردهُ خاله حيقار وتاسف
على تعبه وعلى علمه وكان لنادان اخًا اسمه نبوذردان
فاخده حيقار اليه واكرمه غاية الاكرام وسلّمه
ماله ومقتناه وجعله مدبّر بيته واموره فلما
نظر نادان ما قد جرا اخده الحسد والغيره والقلق
وبقى اين ما يحضر يسب خاله ويقول ان خالي طردني من عنده
[47v]وقدّم اخي عليّ لكن ان قدّرني الله عليه لارميه في
محنه حتى القتل فلما كان بعد مدة من الزمان مضى
نادان الى باب الملك وكتب رساله الى اكيش ابن
شاه حكيم ملك الفرس يقول فيها هكذا من سنحاريب
ملك اتور ونينوى ومن حيقار وزيره وكاتبه سلام
تام وتحيات واكرام بيني وبينك ايها الملك المكرّم
في حال وصول الرساله اليك تقوم عاجل وتجي الى
بقعة اتور ونينوى وانا اسلّم لك المملكه بلا حرب
ولا مصاف وكتب رساله اخرى باسم حيقار الى فرعون
ملك مصر يقول فيها هكذا من حيقار وزير سنحاريب الملك
الى فرعون ملك مصر سلام وتحيات واكرام وان في
حال وصول هذه الرساله اليك تقوم وتجي الى اتور
الى بقعة نسرين حتى اسلّم لك المملكه بلا حرب ولا تعب
وختمهم بختم خاله حيقار وكان خط نادان يشبه
خط خاله حيقار ثم انه القى الرسالتين في دار الملك
[47r]حتى يجدوهم الغلمان ويعطوهم للملك ثم انه مضى
وكتب رساله ايضا على لسان سنحاريب الملك وارسلها
الى خاله حيقار يقول فيها هكذا السلام التام والتحيات
والاكرام يخص به وزيري ومدبّري وعزيري وكاتم سري
حيقار وان في حال وصول الرساله اليك قوم اجمع
العسكر الذي عندك ولاقيني يوم الخميس الى بقعة
نسرين واجعل العسكر يلبسوا افخر الملبوس وانهم
يتقلدوا بالسلاح الكامل والخيل المزيّنات وانهم
يكونوا مثل من يشتد للحرب والكفاح وادا نظروني
مقبلًا نحوهم يضربوا مصاف للحرب كمثل من يحارب
لاني عندي اناس دو هيبه من عند فرعون ملك مصر
وقد اتوني برساله حتى انهم ينظروا عساكرنا ويهابونا
لانهم اعداينا والسلام ثم انه ختم الرساله وارسلها الى
خاله حيقار مع واحد من عبيد الملك ثم ان واحد
من غلمان الملك وجد الرسالتين الذي كتبهم نادان
[48v]فاخدهم واعرضهم على الملك وكان نادان عنده
فاخدهم الملك واعطاهم لنادان فقراهم قدام
الملك واوراه الختم فلما سمع الملك الكتابه ونظر
الختم احتار واندهش واغتاض وغضب غضبًا
شديد وقال انا ايش اسيت الى حيقار حتى انه
كتب هده الرسايل الى اعداي من بعد ما اكرمه كل
الكرامه واسلّمهُ تدبير دولتي ومملكتي يباديني في
هدا العمل فقال له نادان يا سيدي الملك لا تغتاض
بل هدّي خلقك حتى ننظر اخر الامر قال له الملك
كيف ننظر اخر الامر قال له يا سيدي نخرج يوم
الخميس الى بقعة نسرين كما مكتوب في الرساله
فان كان الخبر صحيح فاننا نعاين حيقار والعسكر
وان لم نجد احدًا والا يكون هذا الخبر كدب فقال
له الملك هكذا يكون ثم انهم نهضوا يوم الخميس ومعهم
العسكر ومضوا ناحية البقعه وكان حيقار قد صنع
[48r]كما وجد في الرساله لانه ظن انها من عند الملك فلما
وصل الملك ونادان وعسكرهم إلى البقعه فوجدوا تلك
العساكر مزينه بالات الدهب ومقلدين بالسلاح الكامل
وقد عملوا مصاف للحرب وجردوا سيوفهم وارماحهم
وارادوا الحرب والكفاح فلما نظر الملك دلك غضب
غضبًا شديد وتالم المًا عظيم فقال له نادان نظرت
يا سيدي الملك ما فعل هذا الاليم ولكن لا تغتم ولا تحزن
بل امضي الى قصرك وتختك وانا اجيب لك حيقار
في قيد وسلاسل مكتوف فرجع عند دلك الملك
الى بيته وهو غضبان ومضى نادان الى عند حيقار
وقال له يا خالي والله لقد فرح الملك فرحًا عظيم حيث
عملت مرسومه والان قد ارسلني يقول لك ان تصرف
العسكر وامضي انا وانت الى عنده وتجعل في عنقك
سلسله وتكون مكتوف حتى ينظروا اشراف مصر
هيبة الملك فقال السمع والطاعه ثم انه اصرف العسكر
[49v]وفعل كما قال له نادان وحضر معه الى قدام الملك سنحاريب
وسجد قدامه على الارض فقال له الملك يا حيقار كاتبي
ووزيري ومدبري وكاتم سرّي وولّي امري ما الذي صنعتهُ
معك من القبيح حتى باديتني بهذه الافعال الرديه
ثم انه اعطاه الرسالتين المختومه فلما قراهم حيقار الحكيم
تحيّر وبهت وخجل ورجفت اعضايه وانعقد لسانه
ولا بقى يطيق الكلام وسكت عن الحكمه والفلسفه
فلما نظره الملك في هذا الحال ولم يطيق يرد الجواب
غضب غضبًا شديد وامر للوقت بضرب عنقه خارج
المدينه فصرخ فيه نادان وقال له يا اسود الوجه يا ردي
الطبع هذا كان جزا الملك بعد اكرامه له وعزّته اياك
ايش نفعك المكر والكدب حينيدٍ حضر السيّاف قدام الملك
فقال له الملك خد هدا حيقار واقطع راسه وابعده عن
جثته ماية دراع فسجد حيقار قدام الملك وقال له يا سيدي
تعيش الى الابد فان اردت قتلي يكون امرك وانا اعلم ان ليس
[49r]لي ذنب ولكن رجاي منك ان تامر السياف ان يقطع راسي
قدام باب بيتي وبعد قتلي يعطى جسدي لعبيدي حتى
يدفنوه ويكون عبدك فداك فقال الملك للسياف اصنع
به كما يريد فاخدوا حيقار وشلحوه ثيابه وساروا به الجند
والسياف الى منزله ليقتلوه هناك فلما تحقق حيقار
انه مقتول ارسل واحد من غلمانه الى عند زوجته
اشفغني يقول لها اخرجي الى لقاي واخرجي معكي
الف بنت بكر والبسيهم ثياب الحرير والارجوان حتى انهم
يبكوا علي قبل موتي واصنعي مايده مفتخره للسياف
والجند من جميع الالوان وهيّي الطعام والشراب حتى
ياكلون ويشربون ففعلت اشفغني كما اوصاها واحضرت
الموايد والمشارب ثم ان حيقار التفت الى السياف وكان
اسمه بوسميك وقال له ما تعلم يا بوسميك ايش لي عليك
من الاحسان لما غضب عليك سرحادوم ابو سنحاريب
الملك واراد قتلك وعلمت انا انك كنت مظلوم فاخدتك واخفيتك
[50v]الى وقت الذي طلبك الملك فاحضرتك اليه وفرح
فيك وانعم عليك والان رجاي منك ان تجازيني كما
فعلت معك من الاحسان لاني انا ليس لي ذنب
وانا اعلم ان الملك يندم على قتلي فاذا صنعت هذا
الجميل واحضرتني قدامه يفرح بي فرحًا عظيم وينالك
مواهب جزيله والان لي عبدًا مسجون عندي وهو
مستوجب القتل واريد منك ان تخفيني في مكان
وتخرج الدي في السجن ولبّسه تيابي واقطع راسه
والشرط الدين معك يكونوا قد اكلوا وشربوا وسكروا
ولا يعلموا لمن قتلت وامضي الى الملك انت والدين معك
واعلموه بان قد قتلنا حيقار فيطلع الخبر بان حيقار
قد قتل وتكون قد اصبت الكرامه مني ومن الملك
عند ذلك صنع السياف كما قال له حيقار واخرج ذلك
المسجون وقطع راسه وابعده عن جثّته ماية دراع
وكانوا الجند ياكلون ويشربون ولا يعلموا ما صنع السيّاف
[50r]وكان لحيقار مطموره في عتبة بيته فاخفاه فيها
السياف واشفغني زوجة حيقار ولا احدًا يعلم بها
وبعد ذلك رجع بوسميك السيّاف مع الجند قدام
سنحاريب الملك وقالوا له تعيش ايها الملك قد فعلنا
كما امرت وقتلنا حيقار وابعدنا راسه عن جثته ماية
دراع ثم ان شاع الخبر وداع في ارض اتور ونينوى ان
حيقار الحكيم قد قُتل فناحوا عليه وبكيوا وقالوا حيف
عليك يا حيقار وعلى علمك وحكمتك ومعرفتك في اين
بقينا نجد واحد متلك واكثروا عليه النواح والبكا
جميع اقليم اتور ونينوى وبعد ايام افتكر سنحاريب
الملك في امر حيقار ومعرفته وتدبيره وندم ندمًا عظيم
فارسل واحضر نادان وقال له امضي وخد معك جميع
احبايك واصحابك واعمل بكا ومناحه على خالك
حيقار لاجل كرامته مثل جاري العاده فمضى نادان
الشقي واخد اصحابه واحبابه ولا بكى ولا ناح ولا حزن
[51v]بل جلس ياكل ويشرب ويسكر مع اناس فاسقين رديين
فاسدين وابتدا يضرب العبيد والجوار ويشدهم
ويقتلهم ضرب موجع وما استحى من امرآة خاله حيقار
بل اراد ان يقع معها في الخطيه التي ربّته مثل ولدها
واما حيقار المظلوم في السرداب يسمع بكا الجوار والعبيد
[ويتحسّر] ويحمد الله ويشكره وكان يصلّي دايم ويتضرع
اليه بالبكا والدموع وكانت امراته تحدر اليه كل يوم
خبز وماء كفايته ولا يدري فيه احدًا وكان في كل
اسبوعين ياتي الى عنده بوسميك السياف في الليل
ويسّليه وياخد بخاطره ويدعي له ويمضي ولا يدري فيه
احدًا فلما كان بعد زمان شاع الخبر في جميع البلاد
ان حيقار الحكيم وزير سنحاريب قد قتله الملك
فوصل الخبر الى فرعون ملك مصر ففرح فرحًا عظيم
بسبب انه كان يدبّره ويحل عنه جميع المشاكل
فنهض للوقت وكتب رساله وارسلها الى سنحاريب
[51r]الملك يقول له فيها السلام التام والتحيات والاكرام
الى اخي وعزيزي سنحاريب ملك اتور ونينوى والموصل
والرجا منك انك تكون تعلم اني قد اشتهيت ان ابني
لي قصرًا بين السماء والارض واريد انك ترسل رجل
يكون حكيم ماهر معلّم حتى يبني لي اياها ويردّ جواب
عن جميع ما اساله ويكون لك عندي كسيم مصر وخراجها
ثلاثة سنين وان لم ترسل ما دكرته والا ارسل لي
كسيم اتور ونينوى وخراجها ثلاثة سنين
والّا فالسيف بيننا وبينك ثم ختم الرساله بخاتمه
وارسلها الى سنحاريب الملك وفتحها وقراها
اغتاض غيضًا شديد وارسل فاحضر اكابر دولته
وجمع المشايخ والحكما والفلاسفه والسحرا والعرّافين
والذين في مملكته جميعًا واعرض عليهم الرساله وقال
من فيكم يردّ هدا الجواب الدي في هده الرساله
[52v]ويمضي الى فرعون الملك ويردّ له جوابه ويكون له عندي
المنزلة العاليه الرفعيه فقالوا له ايها الملك انت تعلم
ان هده المشكلات العميقه لم كان احدًا يقدر على حلّها
غير حيقار وزيرك ومدبّرك واما نحن ليس لنا حيلة
في هذا الامر العسير ولكن ادعي اليك نادان الحكيم فقد
علّمه خاله حيقار حكمته ومعرفته فلعّل انه
يقدر يحلّ هده العقدة الصعبه حينيد ارسل الملك
واحضر نادان الى قدامه واعرض عليه الرساله فاخدها
نادان وقراها فارتعدت مفاصله وتغيّر لون منظره
وقال للملك يا سيدي هدا امرًا عسير من يطيق ان
يبني قصرًا بين السماء والارض فاترك الناس يفشرون
هدا سالًا لا يمكن ابدًا فلما سمع الملك كلام نادان
لطم على وجهه وشقّ ثيابه ونزل عن الكرسي وفرش
الرماد تحته وارما التاج عن راسه واخد في النواح
والبكا وهو يبكي ويقول اه عليك يا حيقار الحكيم
[52r]يا معلّم بلدي ووزيري ومدبّر مملكتي وكاتم سرّي يا اسفى
عليك يا محل المشكلات وعارف السراير والسوالات
ويلي عليك يا حصن مملكتي وحارس خزايني في اين
اجدك واين التقيك يا اسفى عليك وعلى حكمتك
ومعرفتك ويلي الذي قتلتك بكلام صبي جاهل لا له
معرفه ولا مروه اه على من كان وهبك لي ومن كان
يقول لي ان حيقار بالحياه لكنت اعطيه جميع ما املك
هل بقيت انظرك يا حيقار نظرةً واحده ولا اموت
في [حسرتك] ولكن من اين لي هدا ومن يخبرني ان
حيقار لم يقتل ثم ان الملك بقى عدة ايام في هذا الحزن
حتى انه كاد يهلك من البكا والنواح فلما نظره بوسميك
السياف في هدا الحال الشنيع والحزن العظيم تقدّم
اليه وسجد قدامه وقال له يا سيدي الملك آمر عبيدك
ان يقتلوني فقال له الملك ويحك يا بوسميك ما هو
دنبك حتى اني اقتلك قال له السياف يا سيدي الملك
[53v]كل عبدًا يخالف امر سيده يقتل وانا قد خالفت امرك
ومرسومك فقال له الملك بمادا خالفت مرسومي قال له
السياف يعلم سيدي الملك بانك امرتني ان اقتل حيقار
وزيرك وانا علمت انه مظلوم وليس له ذنب
فاخدته واخفيته في مكان وقتلت واحد من غلمانه
والان حيقار بالحياه فان اردت احضرته الى قدامك
فلما سمع الملك هذا الكلام زعق زعقة عظيمه حتى
كاد ان يغشا عليه والتفت الى السياف وقال له
يا بوسميك تسخر بي وانا وليّ نعمتك فسجد السياف
وقال له وحيات نعمتك يا مولاي ان حيقار الحكيم
بالحياه فان امرتني احضرته اليك هده الساعة فقال
له الملك والله العظيم يا عبدًا صالح ان كلامك يكون صدق
اريد اغنيك واعطيك جميع ما تريد وتشتهي فمضا
للوقت بوسميك السياف وهو فرحان مسرور الى عند
حيقار وفتح المطموره ونزل اليه وقال له قد جاك
[53r]الفرج يا حيقار بعون الله تعالى ثم احكا له بما جرا واخده
راكبًا الى عند الملك فلما نظره الملك مقبل اليه
لم يملك عقله من فرحه بل قام عن الكرسي واعتنقه
وقبّله واجلسه بجانبه ونظر اليه فاذا هو في حال
العدم وقد تغير لونه وطال شعره وطالت اظافيره
شبيه النسر وانتحل بدنه وتخبّل وبقى مثل الرماد
فبكى عليه ورقّ لاجله وقال تبارك الله الذي ردّك
عليّ من بعد الموت ثم انه سلّاه واخد في خاطره
وانعم على السياف نعمة جزيله ثم ان حيقار قال للملك
تعيش يا سيدي الى الابد هذه افعال [أولاد] الزنا
انا ربّيت لي نخله حتى استند عليها فمالت وارمتني
ولكن يا مولاي اذ قد حضرت انا قدامك فلا يغمّك
امرًا من الأمور فقال له الملك الحمد لله الذي عرف
انك مظلوم ونجاك من القتل والموت والان
يا حبيبي امضي الى منزلك بسلام واريح نفسك
[54v]وامضي الى الحمام واحلق شعر راسك وقص اضافيرك
والبس حواسك واتنعم واستريح اربعين يوم وبعد
ذلك تعال الى عندي ثم ان الملك احضر المال والخلع
حتى يعطيهم حيقار فسجد لحيقار بين يديه وقال
يا مولاي عندي من نعمتك شيًا جزيل وان اردت
تنعم عليّ انعم على بوسميك السياف الذي تدبيره
وطاعته افرحت لي ولك فانعم الملك عليه نعمة
جزيله ومضى حيقار الى منزله فرحان مسرور
فالتقوه اهله وعشيرته وجماعته بالفرح العظيم
وابتهجوا وسرّوا فيه سرورًا كثير ثم ان حيقار صنع كما
امره الملك وبقى اربعين يوم حتى انتعش بدنه ورجعت
اليه قوته فركب واتى الى عند الملك ففرح فيه
فرحًا عظيم واخد في راحته وبعد ذلك اخرج الرساله
التي ارسلها فرعون وقال له انظر يا عزيري حيقار
ايش قد ارسلوا لنا المصريين بعد قتلك وانهم قد
[54r]قهرونا وغلبونا واهل البلاد اكثرهم قد هربوا الى
مصر من الكسيم والخراج الذي ارسل يطلبه منا فرعون
فلما اخد حيقار الرساله وقراها تبسم ضاحكًا وقال
للملك لا تحزن يا سيدي ولا تغتم انا امضي الى مصر
وارد مسايل فرعون واقضي له جميع ما يريد واجيب
لك الكسيم والخراج بمعونة الله وبسعادتك فلما
سمع الملك هذا الكلام نهض قايمًا وقبّل حيقار بين
عينيه وقال له مثلك من يكون مدبّر الملوك وغيرهم
فقال حيقار للملك يا مولاي امهلني اربعين يوم حتى
ادبّر هده المصلحه فادن له بالمهله متى اراد فمضى حيقار
الى منزله وامر الصيادين ان يصطادوا فرخين
نسوره واوصا الفتالين ان يفتلوا شريطين من
قطن طول كل واحد الفين دراع وامر النجارين
ان يصنعوا له صندوقين كبار ففعلوا كما امرهم
وكان عنده صبيان اولاد الجوار فاختار منهم اثنين
[55v]اسم الواحد نبوحال واسم الاخر طبشاليم وبقى
كل يوم يدبح خاروفين ويطعم النسوره والصبيان
وكل يوم يركب الصبيان على ظهور النسوره ويشدّهم
شدًّا وثيق ويربط الشراريط في ارجل النسوره
ويطلقهم الى العلو قليل قليل حتى طبعهم كما
يريد فصار يرفعهم الى العلو ويمسك الحبال
من تحت ويرفعهم ويحدرهم كل يوم بالزايد على
قدر قوتهم ولا زال كذلك حتى انهم تقووا على الارتفاع
من غير خوف ولا فزع وبقوا يرتفعوا في الفضا
على طول الشراريط والصبيان مشدودين على
على ظهورهم ثم انه علّم الصبيان انهم اذا وصلوا
الى الفضا يصيحوا قايلين اوصلوا الينا حجر
وطين وجصّ وكلس حتى نبني قصر الملك
فرعون في الجو لاننا وقوف بطالين ولم
يزال حيقار يصنع بهم هكذا حتى تطبعوا كما يشا
[55r]ففرح فرحًا عظيم وتركهم ومضى الى عند الملك
سنحاريب وسجد بين يديه وهو ضاحكًا فرحان
فقال له الملك اهلًا ومرحبًا في عزيزي حيقار
ما الذي دبّرت مم الحكمة اللايقه فقال له قم
يا سيدي حتى أريك شيًا يسرّ خاطرك ففرح الملك
فرحًا عظيم ونهض مع وزرايه واكابر دولته ومضوا
الى مكان واسع وارسل حيقار فاحضر النسوره
والصبيان وشدّهم على ظهورهم كالعاده
واطلقهم الى الجو والحبال بيده ماسكهم فصاروا
الصبيان يصرخوا قايلين وصلّوا الينا حجر وطين
وجصّ وكلس حتى نبني قصر الملك فرعون لاننا
وقوف بطالين فلما عاين الملك ذلك اندهش
وتحير هو ومن كان معه ومن شدة فرحه لم بقى
يتمالك عقله فامر باحدار النسوره والصبيان
وتقدم الى حيقار وقبّله بين عينيه وقال له
[56v]لقد فاقت حكمتك على جميع الخلايق يا عزيز استاذه
فامضي الان الى عند فرعون الملك بعون الله تعالى
حينيد رتب معه جندًا لايق له واخد اهبّة السفر
وحمل النسوره في الصناديق والصبيان على الخيل
ولا زال ساير من مرحله الى مرحله الى ان وصلوا
الى مملكة مصر ودخلوا بلاط الملك فبلغ الخبر الى
فرعون ان سنحاريب الملك قد ارسل اليك رجلًا
يقوم بجميع ما تريد وتحتاج فامر باحضاره الى بين
يديه فدخل حيقار الى قدام فرعون وسجد وسلّم
سلام يليق للملوك فتحير فرعون من حسن منطقه
ولفظه فقال له اهلًا وسهلًا من اين اتيت يا حلو
المعاني قال له قد ارسلني سيدي الملك سنحاريب الى
خدمتك حتى اقوم بجميع ما تحتاج وهو يسلم عليك
جزيل السلام والاكرام فلما سمع الملك كلامه تحيّر
من شجاعته وجسارته فقال له ما اسمك فقال عبدك
[56r]اسمي بيقام وانا نمله من نمل سيدي سنحاريب الملك
قال له فرعون ما وجد سنحاريب الملك احداً اجلّ
منك عنده حتى كان يرسل لي نمله تجاوبني وتتكلم
معي قال له حيقار لي رجا بالله العظيم اني اقضي
جميع حاجتك واتمم ما في خاطر سيدي الملك عند
ذلك امر فرعون ان ينزلوهم في منزل لايق ويكرموهم
غاية الاكرام بكل ما يمكن وياخدوا راحتهم وجعل
لهم العلايف والخدم حتى يقوموا بجميع حوايجهم
فلما كان بعد ثلاثة امر باحضاره الى بين يديه
فدخل وسلم كما يليق فامره ان يجلس على كرسي فلم
يقبل لكن انتصب واقفًا فقال له فرعون يا ابيقام
ايش قال لك سيدك الملك وفي ايش اتيت قال يا مولاي
جيت على الشرط الدي اشرطته انت في رسالتك فاني
ان قضيت لك ما تشتهي يكون عندك لسيدي الملك
كسيم مصر وخراجها ثلاثة سنين وان لم اقضي لك ذلك
[57v]فيكون لك عند سيدي الملك سنحاريب كسيم اتور ونينوى
وخراجها ثلاثة سنين لان الاقرار عند الملوك
دين ثابت والانكار دلّ واهانه فلما سمع فرعون
الملك كلام حيقار عجب من انطلاق لسانه وحلاوة
كلامه فقال له امضي يا بيقام الى منزلك واتيني بالغداه
فمضى ولما كان ثاني يوم بالغداه حضر الى قدامه وسجد
بين يديه وكان قد اوصى اكابر دولته ان يلبسوا كلهم
لباس البياض من كتان وحرير وجلس هو على كرسيه
وقال لحيقار يا بيقام لمن اشبه انا واكابري لمن
يشبهون فقال له حيقار يا سيدي انت تشبه للقمر
واكابرك يشبهون للكواكب والنجوم فقال له
امضي الى منزلك واتيني بالغداه فمضى ولما كان
اليوم الثاني حضر الى قدام الملك وسجد وانتصب
قايمًا وكان الملك قد اوصى اكابر دولته ان يلبسوا الاحمر
من القرمز والارجوان ولبس هو ايضا كذلك فالتفت
[57r]الى حيقار وقال له لمن اشبه انا واكابري لمن
يشبهون قال له حيقار يا سيدي الملك انت تشبه
للشمس واكابرك يشبهون لشعاع الشمس فقال له
الملك امضي يا بيقام الى منزلك واتيني بالغداه
فمضى الى مكانه تلك الليله وفي الصباح دخل الى قدام
الملك وسجد بين يديه وانتصب قايمًا وكان
فرعون قد اوصا اكابر مجلسه ان يلبسوا ثياب
ملونه ولبس هو ايضا كذلك فقال يا بيقام لمن
اشبه انا وجنودي واكابري لمن يشبهون
فقال له يا سيدي انت تشبه الى شهر نيسان
واكابرك وجنودك يشبهون لزهره وبيبونه
فقال له امضي الى منزلك واتيني بالغداه فمضى الى
مكانه وفي الصباح دخل الى قدام الملك وسجد
له وانتصب قايمًا وكان الملك قد لبس ثياب
حرير سود وقرمزي واوصا جماعته ان يلبسوا كذلك
[58v]وجعلوا ثياب الهيكل والستوره سود فالتفت
الملك الى حيقار وقال له يا بيقام لمن اشبه انا واكابري
وجنودي لمن يشبهون فقال له يا سيدي انت
تشبه الى بيل الصنم واكابرك وجنودك يشبهون
لخدّامه فلما سمع فرعون الملك هذا الكلام فرح فرحًا
عظيم وابتهج جدّا وقال للحكيم يا بيقام اول مرّه
شبهتني للقمر وجنودي للنجوم والكواكب وتاني مرّه
شبهتني للشمس وجنودي لشعاع الشمس وثالث
مرّه شبهتني لنيسان وجنودي لزهره وبيبونه
ورابع مرّه شبهتني الى بيل الصنم واكابري لخدّامه
فقول لي الان سيدك سنحاريب الملك لمن يشبه
واكابره وجنوده لمن يشبهون فصرخ حيقار صوت
عظيم وقال حاشا ان ادكر سيدي الملك سنحاريب
وانت جالس على كرسيك لكن قوم على قدميك حتى اني
اقول لك لمن يشبه سيدي واكابره وجنوده لمن
[58r]يشبهون فتعجب الملك فرعون من جسارته ونهض قايمًا
وقال قول لي الساعه حتى انظر فقال له حيقار ان سيدي
الملك سنحاريب يشبه الى الاه السماء واكابره يشبهون
للبرق والرعد والمطر فان اراد هبّت الرياح ونزل المطر
ورعد الرعد وابرق البرق ويامر الشمس فلا تعطي ضوّها
ويخبط القمر والكواكب ويخرج العاصف والرياح فتضرب
نيسان وتنثر زهره وبيبونه وورقه ويقلب بيل الصنم
ويهلك خدّامه فلما سمع الملك فرعون هذا الكلام اغتاض
غيضًا عظيم واحتار حيرة عظيمه وغضب جدّا وقال له
يا رجل قول الصدق وعرفني الخبر الصحيح واخبرني ما اسمك
فسجد حيقار قدام الملك فرعون وقال له حقًا يا سيدي
انا عبدك حيقار وزير الملك سنحاريب وكاتبه ومدبّر دولته
وكاتم سرّه فقال له فرعون صدقت ايها الحكيم الفيلسوف
ولكن نحن سمعنا ان حيقار غضب عليه استاده الملك
سنحاريب وقتله والان انت بالحياه واتيت الينا ونظرناك
[59v]فقال له حيقار نعم يا سيدي ان استادي الملك سنحاريب
امر بقتلي بكلام المفسدين لكن الرب نجاني وخلصني
وطوبا لمن يتكل على الرب فقال له فرعون امضي يا حيقار
الى منزلك واتيني بالغداه فلما مضى قال له فرعون
اريدك اذا اتيت ان تقول لي كلمة ما سمعتها قط
من احدا ولا من اكابري ولا من اهل بلدي فمضى
حيقار مفتكرًا في ما يقول له فخطر في فكره شيًا
فكتب رساله يقول فيها من سنحاريب ملك
اتور ونينوى الى فرعون ملك مصر السلام
التام والتحيات والاكرام الذي تعلم به ايها الملك
ان الاخوة والملوك يعتازوا الى بعضهم بعض
والرجا منك انك تقرضني تسعماية قنطار دهب لان
باقي عليّ بعض علوفه للعسكر وبعد قليل ارسلها لك
ثم انه طوا الرساله وختمها واحضرها بالغداه الى
فرعون فاخدها وقراها وتعجب منها وقال صدقًا
[59r]اني ما سمعت قط هذه الكلمه ثم ان الملك قال لحيقار
الان بقى الرجا منك ان تبني لنا مقصوره شاهقه
عاليه بين السما والارض فقال حيقار السمع
والطاعه يا سيدي انا ابني مقصوره كما تريد وتشا
لكن هيّي الطين والحجر والكلس والفعاله وانا من
عندي المعلمين يبنوا في الجو فهيّا الملك جميع
ذلك فاخرج حيقار الصناديق والغلمان ومضى مع
الملك الى مكان واسع واجتمعوا الوزرا والامراء
وجميع الجند واهل البلده لينظروا كيف يبني حيقار
القصر بين السماء والارض فاخرج حيقار النسوره وشدّ
الصبيان على ظهورهم شدًّا وثيق واطلقهم الى
الفضا فارتفعوا في الجوّ الفين دراع على طول
الحبال وابتدوا يصرخوا قايلين وصلّوا الينا
طين وحجر وكلس وجصّ حتى نبني قصر الملك فرعون
في الجوّ وابتدا حيقار وجماعته يضربون الفعاله
[60v]ويقولوا لهم هاتوا طين هاتوا حجر هاتوا كلس ولا
تعوقوا المعلمين عن شغلهم فلما نظر فرعون الملك ذلك
قال يا حيقار انت خرفان ام مجنون من يقدر يوصل
لهذا العلو حجرا وغيره فقال له حيقار انتم هم خرفان
ومجانين فلو كان سيدي الملك سنحاريب كان يبني
مقصورتين في يوم واحد فقال له فرعون يا حكيم
مثلك من يصلح ان يكون يخدم الملوك ويدبّرهم يا عزّ
استاده ولكن يا حيقار قد عبرنا عن عمارة المقصوره
امضي الى منزلك بسلام يا فيلسوف يا لبيب وفي الغد
تكون عندي فمضى حيقار فرحان مسرور ومضى الملك
متحير مندهش مما رآى ونظر من حكمة حيقار فلما كان
الصباح اتى حيقار ودخل الى قدام فرعون الملك
وسجد بين يديه ووقف فقال له فرعون يا حيقار
اخبرني كيف هدا الامر ان لما يصهل حصان سيدك
الملك سنحاريب في ارض اتور ونينوى يسمعون
[60r]خيلنا في مصر صوته فيطرحون فتركه حيقار وخرج
خارج واخد سنورًا وربطه في حبل وبدا يجلده
جلدًا قويًا فلما سمعوا المصريين ذلك اعلموا به الملك
فرعون فارسل احضره للوقت وقال له يا حيقار
لاي سبب تجلد هدا الحيوان الاخرس لعلك تكون
قد خرفت فقال له يا سيدي هدا الحيوان قد اخطا
معي خطية عظيمه لاجل ذلك استاهل الضرب قال له
الملك وما الذي قد اخطا هدا الحيوان قال له حيقار
يا سيدي كان عندي في بيتي ديك مليح وكان قد
اعطاني اياه سيدي الملك سنحاريب وكان له صوتًا
حلو صحيح يعرف ساعات الليل والنهار باوقاتها
فمضى هدا القط في هذا الليل وقطع راسه واتى به
الى هاهنا فلاجل هذا ضربته هذا الضرب فقال له
الملك ما قلت لك يا حيقار انك قد خرفت وقد خفّ
عقلك اعلم ان بين اتور ومصر ثلثمايه وستين فرسخ
[61v]فكيف مضى هذا السنور في هدا الليل وقطع راس
الديك ورجع فقال له حيقار يا سيدي اذا كان
بين اتور ومصر هده المسافة البعيدة فكيف اذا صهل
حصان سيدي الملك تسمعه خيلكم فيطرحون
فلما سمع فرعون انه قد ردّ مسالته قال له يا حيقار
ما قولك في رجل بنا اسطوانه من ثمانية الاف وسبعمايه
وثلاثه وستون لبنه وعقدها بثلاثمايه وخمسه
وستين حجر وغرس في وسطها اثنى عشر شجرة ارز
وافرعت كل ارزه ثلاثين قضيب وكل قضيب
حمل عنقودين الواحد ابيض والاخر اسود فقال
له حيقار يا سيدي هذا المثل رعيان بقر اتور ونينوى
يعرفوه البنّا هو الله والاسطوانه هي السنة
والثمانية الاف وسبعمايه وثلاثه وستين لبنه
هي ساعات السنه والاثنى عشر ارزه هم اثنى عشر
شهر والثلاثين قضيب هم الثلاثين ايام الشهر
[61r]والعناقيد الابيض والاسود هم الليل والنهار فقال
له فرعون يا حيقار اريد منك ان تفتل لي حبلين
من رمل البحر فقال له حيقار ارسم حتى يخرجون
لي من الخزانه حبل حتى اعمل مثله ثم انه مضى الى
قفا حيط الخزانه فوجد الشمس قد اشرقت عليه
فثقب فيه ثقبين واخد بيده حفنة رمل وبدرها
في الثقوب فبدت تبرم في الشمس مثل الحبال
فقال حيقار للملك يا سيدي قول لعبيدك ان ياخدوا
الحبال وكلما اردتم حبال انا افتل لكم فقال له الملك
يا حيقار لنا هاهنا حجر رحا وانكسرت واريد منك
ان تخيطها فنظر حيقار الى حجر كان هناك مكسور
وقال للملك يا سيدي انا هاهنا رجل غريب وليس
لي عدة الخياطه ولكن ارسم الاساكفه الدين عندك
ان يقدّوا لي من هذه الحجر خيطان ومخارز ومشطه
وكاز حتى اخيّط لك الرحا قال فضحك فرعون الملك
[62v]وقال لحيقار هو واكابر دولته تبارك الله الذي
وهبك المعرفه وكملك بالحكمه والدكاوه والفهم
ثم انعم عليه خلعة سنيّه وانعم على جماعته كلهم
وامر ان يحضروا الاموال والكسيم والخراج عن ثلاثة
سنين فقال حيقار لفرعون اريد منك يا مولاي
ترسل تنادي في مصر ان يرجعوا الدين كانوا قد
اتوا من بلادنا ويمضوا معي فامر الملك بذلك
واجتمعت الناس جميعهم وحمل حيقار ذلك
المال جميعه فقال فرعون لحيقار امضي بالسلام
يا حيقار يا ماهر يا فيلسوف يا فخر استاده وعزّه
مثلك من يكون مدبّر ملوك وسلاطين ثم اعطاه
خرجيه لايقه وقال له اقرا السلام على سيدك
سنحاريب الملك وقول له لا يواخدنا في هذه
الهديه لان الملوك تقنع بالقليل عند ذلك
دعا له حيقار وشكره وقبّل الارض قدامه
[62r]وتودّع منه وانصرف راجعًا هو وعسكره واهل
بلاده متوجهين الى اثور ونينوى فلما قربوا
من بلادهم وصل الخبر الى سنحاريب الملك فرح
فرحًا عظيم وخرج لملتقاه وقبّله بين عينيه وقال
له اهلًا وسهلاً ومرحبًا بك يا ابي وعز دولتي
وفخر مملكتي ثم انهم ساروا حتى وصلوا الى دار الملك
وحطوا الاحمال والأموال والهدايا ففرح فيهم
الملك فرحًا عظيم وقال لحيقار اطلب الان واتمنّا
عليّ واشتهي ما تحبّ وتريد ولو كان نصف
ملكي فقال حيقار تعيش يا سيدي الى الابد
انا عندي من احسانك شيًا جزيل ولكن [إن كان]
تنعم عليّ انعم على بوسميك السياف الذي على
يد الله ويدّه نظرت الحياه مرة ثانيه ثم ان حيقار
اخرج الهدايا والمال وقدمهم للملك واحكا له كل
ما جرا بينه وبين فرعون الملك من المسايل والمجادلات
[63v]ففرح الملك سنحاريب فرحًا زايد ثم انه قدّم المال
والهدايا الى قدام حيقار وقال له يا عزيزي خد
من هذه الأموال جميع ما تريد فقبّل يده حيقار
وقال له تعيش يا سيدي الى الابد انا ما اريد
الا سلامتك ايش اعمل في المال وغيره ولكن
ان كنت تنعم على عبدك فاعطيني نادان ابن
اختي حتى انتقم منه بما عمل معي واراد يحزنك
ويكسرك بين الملوك ولا تطالبني في دمه وتحاللني
فيه فقال سنحاريب الملك خده لقد اوهبتك
اياه فربطه وسلمه اياه مقيدًا فنهض حيقار
وقبّل الارض واخد نادان ومضى الى منزله وهو
مسرور فرحان فالتقوه اهله وغلمانه وجماعته
بالفرح العظيم وشكروا الله على سلامته فدخل الى
بيته والتقا بزوجته اشفعني وفرحت وشكرت الله
تعالى ثم ان حيقار شد نادان بالسلاسل وقيّد
[63r]يديه ورجليه وضربه ضربًا شديد على رجليه وظهره
واجنابه وطرحه في مكان مظلم كره الرايحه بجانب
باب الدار وجعل عليه نبوحال الغلام حارسًا وامره
ان يعطيه كل يوم رغيف خبز وقليل ماء وكان حيقار
كلما يدخل ويخرج يوبّخه ويقول له الرب يجازيك كما
فعلت معي بعد الاحسان والجميل يا بني قبل في الامثال
من لم يسمع من ادانيه يسمّعوه من قفا ادانيه
فقال له نادان يا خالي لاجل ايش انت غضبان عليّ
فقال له حيقار لاجل اني وقرتك واكرمتك وربيتك
وعلمتك العلم والحكمه وجعلتك وريتي وجالس على
مرتبتي وانت باديتني بالشر واردت قتلي ورمت
هلاكي لكن الرب خلصني من مكرك وعلم اني مظلوم
لان الرب يجبر قلوب المنكسرين ويردل الحسودين
والمتجبرين يا بني انت صرت لي مثل العقرب الذي يضرب
زنابته في الحجر فيثقبها يا بني انت صرت مثل عرق الفوه
[64v]الذي اكلته العنزه فقالت لها الفوّه كلي واتنعمي اليوم
ولابد عن دبغ جلدكي مني يا ولدي انت صرت مثل
انسان اخد حجرًا والقاها الى السماء ليرجم بها ربّه
فلا وصلت الحجر ولا ربح غير الاثم والسخط يا ولدي انت
صرت مثل انسان نظر رفيقه عريان في زمان الشتاء
فاخد ماء بارد وسكب عليه يا ولدي لو وقرتني واكرمتني
كنت ورثتني يا ولدي لو طال دنب الخنزير عشرة ادرع
ما يقوم مقام الفرس ولو كان شعره الين من الحرير
وانعم من الكتان يا ولدي انا كنت اظن انك تصير وريثي
عند مماتي وانت حسدتني ومكرت بي واردت تقتلني
والرب نجاني منك يا ولدي انت صرت لي مثل الاسد
الدي رافق الحما فبدا الحمار يخدم الاسد مدة زمان
فوثب عليه الاسد وقتله وافترسه يا ولدي انت صرت
لي مثل الفخ المطمور في المزبله فنظره العصفور وقال له
يا اخي ما الذي تعمل هاهنا قال له الفخ انا اصلي لله تعالى
[64r]قال له العصفور ما هده العصاه التي في يدك قال له
الفخ هذه عكازتي استند عليها وقت الصلاه قال له
له العصفور ما هدا الحبّ المبدور حولك قال له الفخ
هذا قوتًا اطعمه لكل جيعان ومسكين وعابر طريق
قال له العصفور والله يا اخي انا جيعان ومسكين
وصاحب عيال دعني اكل منه شيًا فقال له الفخ يا اخي
كل الدي تريد من يمنعك فدنا العصفور لياكل فقلب
عليه الفخ ومسكه فقال له العصفور هذه صدقتك
ايها الفخ الله لا يقبل صلاتك ولا صومك ولا صدقتك
يا ولدي انت صرت مثل قملة الحنطه التي لا تصلح
لشي بل تفسد الحنطه وتخبّلها يا ولدي انت صرت مثل
انسان زرع عشرة اكيال قمح فلما حصدها ودرسها
ودقّها وتعب عليها طلعت تسعة اكيال فقال لها
ليت لا كنتي صرتي ولا طلعتي يا بني انت صرت مثل ديك
الحجل الدي يرمي ارفاقه في الشبكه ولا يطيق يخلّص نفسه
[65v]يا ولدي انت صرت مثل الكلب الذي دخل الى بيت
الفخار وهو بردان فلما دفى وسخن بدا ينبح عليهم
فضربوه وطردوه وسحتوه ليلا يعضّهم يا ولدي انت
صرت مثل الخنزير الذي دخل الحمّام مع الروساء والاكابر
فنظر الى جورة سيان منتنه فنزل تمرّغ فيها يا ولدي
انت صرت مثل القرد التي صنعوا لها مراود من دهب
في ادانها وظهرها موسّخ بالشحار والسواد يا ولدي
انت صرت مثل التيس الذي يدخل ارفاقه للدبح
ولم يخلّص نفسه يا ولدي الكلب الدي لم
يقتات من صيده يصير ماكولًا للكلاب يا ولدي
يدًا لم تفلح ولا تكون حريصه شاطره تقطع من
ابطها يا ولدي انت صرت مثل الشجره التي ارادوا
يقطعوها بالفاس فقالت لهم لو ما كان في يدكم مني
لما طقتم على قطعي يا بني قالوا للقطه اتركي عنك
السرقه حتى نصنع قلايد من دهب ونطعمك ونسقيكي
[65r]السكر فقالت انا ما اترك صنعتي ابدًا وصنعت
ابي وامي يا ولدي انت صرت مثل ثعبان كان راكب
عوسج وهو في النهر فنظرهم ديب فقال شرير
على شرير والدي هو اشرّ منهم يدبّر اثنينهم فقال له
الثعبان الخواريف والجدا والسخول الدي اكلتهم
انت تردّهم لاصحابهم فقال لا فقال له الثعبان
انت اشرّ مننا يا ولدي انا ماكولًا لديد اطعمتك
وانت خبز حاف ما اطعمتني انا ماء السكر اسقيتك
وانت من البير ماء ما اسقيتني انا علمتك وربيتك
وانشيتك وانت حفرت لي مطموره وطمرتني انا
غرستك مثل الارز الطايل وانت اعكفتني واحنيتني
انا كنت اظن انك تكون برجًا حصينًا لاستتر فيه
وانت في بطن الارض دفنتني لكن الرب رحمني
يا ولدي انا اردت لك كل خير ومليح وانت جازيتني
بكل شر وقبيح الان اريد اقلع عينيك واقطع لسانك
[66v]وفي السيف اخد راسك واجازيك عوض افعالك
القبيحه كشبهها فقال له نادان يا خالي اصنع معي
مثل معروفك واغفر لي ما مضى من ذنبي فمثلي من
يخطى ومثلك من يعفي اقبلني الان اخدم خيلك
وارعا خنازيرك واكنس زبل بيتك انا الشرير وانت
الصالح انا المدنب وانت المسامح فقال له حيقار
يا ولدي انت تشبه الشجره المغروسه على جانب
الماء وهي عديمة الثمر فاراد صاحبها يقطعها
فقالت له حوّلني الى مكان اخر فان لم اثمر اقطعني
فقال لها يا قليلة الخير انتي مغروسه على جانب الماء
ولم تثمري فكيف اذا حوّلتك الى مكان اخر تثمري
يا ولدي شيخوخة النسر اخير من شبوبية الغراب
يا ولدي قالوا للديب ابعد من ورا الغنم ليلا يوديك
غبارهم فقال ان غبارهم دوا لعيناي يا ولدي
ادخلوا الديب للكتّاب حتى يتعلّم فقال له المعلّم قول
[66r]الف با تا ثا قال الخاروف عنز جدي يا ولدي
وضعوا راس الحمار على المايده فوقع وتمرمغ فقالوا
دعوه يتمرمغ كما يريد يا ولدي حق الذي قال اذا ولدت
ولدًا ادعيه ابنك وان ربيت احدًا ادعيه عبدك
يا ولدي الذي يعمل الشر فشرًا يلتقا والذي يصنع
الخير خيرًا يلقا لان الرب يجازي الانسان على عمله
يا ولدي ايش لك اكثر من هذا الكلام لان الرب
يجازي الانسان على قدر عمله وهو يعرف جميع
السر والضمير ويعلم الخفايا فهو يجازيك بعملك
ويحكم بيني وبينك بالحق والعدل ويكافيك كما
تستحق فلما سمع نادان الاحمق الشقي الجاهل
هذا الكلام علم ان ليس له رجا ولا خلاص فمن شدة
قهره وغيضه انتفخ وتورّم وبقى مثل الضرف
المنفوخ وورمت اعضاه وساقيه وانمزق في
الحال وانشق ومات وصارت اخرته للهلاك
[67v]ومضى الى جهنم وبيس المصير بحسب ما قال
الكتاب الذي يحفر بيرًا لاخيه يقع فيه والذي
ينصب فخًا لغيره يعلق فيه وكل
انسان يجازي عما يصنع [إن كان]
خيرًا [وإن كان] شرًا هذا
ما وجدنا وكتبنا
من خبر حيقار
الحكيم والحمد
لله
وحده
تمت بعون الله تعالى قصة حيقار الحكيم بالتمام والكمال
اترحموا على الكاتب الحقير الخاطي لاجل المسيح
- Rechtsinhaber*in
- Niedersächsische Staats-und Universitätsbibliothek Göttingen
- Zitationsvorschlag für dieses Objekt
- TextGrid Repository (2026). The Story and Proverbs of Ahiqar the Wise. Arabic. Zūq Muṣbiḥ, Lebanon, Notre Dame University, Louaize, CH 17. CH 17. The Story and Proverbs of Ahiqar the Wise. Niedersächsische Staats-und Universitätsbibliothek Göttingen. https://hdl.handle.net/21.11113/4782z.0