1.

2. خبر حيقار الحكيم وزير سنحاريب الملك ونادان ابن اخته

[1]

خبر حيقار الحكيم وزير سنحاريب الملك ونادان ابن اخته

[2]
بسم الاب والابن والروح القدس الاله الواحد امين
نبتدي بعون الله وحسن توفيقه وارشاده ونكتب خبر حيقار الحكيم الفيلسوف وزير سنحاريب الملك ونادان ابن اخته
ذكروا ان كان في ايام الَملك سنحاريب ملك آتور ونينوى رجل حكيم يقال لهُ
حيقار . وكان وزير الملك سنحاريب وكان كاتبه وكان دو مالٍ جزيل وزرقٍ كثير.
وكان ماهرًا حكيمًا فيلسوف دو معرفة ورأي وتدبير. وكان قد تزوَّج ستين امرأه
وبنى لكل امراه منهم مقصوره. ومع هذا كله لم يكن لهُ ولدًا يربيه وكان كثير الهم
لاجل ذلك. وانهُ كان في يوم جمع المحبين والعرافين والسحراء واحكا لهم واشكا
لهم حاله بامر عقوريته فقالوا لهُ ادخل اذبح للالهة واستخبرهم ليرزقوك ولدًا. ففعل
كما قالوا لهُ وقدم القرابين للاصنام واستغاث بهم وتضرع اليهم بالطلبة والدعا فلم
يجيبوه بكلمة واحدة. فخرج وهو حزين كايب وانصرف وهو متألم القلب.
فرجع بالتضرُّع الى الله تعالى وامَّن واستغاث بهِ بحرقةٍ قلبٍ وقال بصوت عالي يا الاه
السما والأرض يا خالق الخلايق كلها اطلب اليك ان توهبني ولدًا حتى اتعزى بهِ
ويحضر موتي ويرثني ويغمض عيناي ويدفني. فعند ذلك اتاه صوت يقول لهُ
حيث انك اتكلت اولًا على الاصنام والمنحوتات وقدمت لهم القرابين كذلك تبقى
بلا ولد ولا بنين ولا بنات بل قم خذ نادان ابن اختك واجعله لك ولدًا وعلمهُ
علمك وادبك وحكمتك وهو يرثك بعد موتك. فعند ذلك اخد نادان ابن اخته
وكان صغير بيرضع فسلمه الى ثمان نساء مرضعات ليرضعوه ويربوه. فربوه بالاكل
الطيب والتربية اللطيفة والبسوه الحرير والارجوان والقرمز. وكان جلوسه على الطنافس
والحرير. فلما كبر نادان ومشى ونمى مثل الأرز العالي فعلمهُ الادب والكتابة والقراة
والفلسفه وجميع العلوم. وفي بعض الأيام نظر سنحاريب الملك الى حيقار فراه قد بقى
شيخ كبير فقال لهُ أيها الصاحب المكرم المجيد المكرم الماهر المدبر الحكيم وكاتمي ووزيري
[3]
وكاتم سري ومدبر دولتي هوذا انت قد كبرت وطعنت في السن وقرب موتك
ووفاتك [فقل لي] من يقوم في خدمتي بعدك. فقال لهُ حيقار يا سيدي الملك يعيش
راسك الى الابد هذا نادان ابن اختي قد اتخذتهُ لي ولدًا وربيته وعلمته حكمتي
ومعرفتي كلها. فقال له الملك يا حيقار احضره قدامي لانظره فان وجدته لايقًا
فاقيمه عوضك وانت اطلق سبيلك لتمضي وتستريح وتنيح شيخوختك وتعيش باقي عمرك
بكرامه حسنة. فحينيذٍ مضى حيقار واحضر نادان ابن اخته الى عند الملك. فسجد لهُ
بالادب والوقار والحشمة والحكمة والمعرفة. فنظر الملك الى نادان وتأَملهُ فاعجبهُ غاية
العجب وفرح فيهِ. عند ذلك قال الملك لحيقار هذا ابنك يا حيقار اطلب من الله ان
يحفظه وكما انت خدمتني [وخدمت] ابي سرحادوم قبلي كذلك يكون هذا ولدك
يخدمني ويقضي مصالحي وحوايجي واشغالي حتى اكرمهُ واعزهُ لاجل خاطرك. فسجد
حيقار الوزير وقال لهُ يعيش راسك يا سيدي الى الابد اريد منك ان تطول روحك
عليه لانهُ ولدي وايضًا تبقا تسامح غلطاته حتى يخدمك كما ينبغي. فعند ذلك حلف
له الملك ان يجعلهُ اكبر محبيه واعز اصدقاه ويكون عنده في كل كرامه ووقار. فقبل
اياديه ودعا لهُ واخذ نادان ابن اخته معهُ واجلسهُ في خلوة وبدي يعلمهُ في الليل
والنهار حتى اشبعه حكمة ومعرفة اكثر من الخبز والماء وهكذا كان يعملهُ ويقول له
يا بني اسمع كلامي واتبع رايي وادكر قولي. يا بني ان سمعت كلمة دعها تموت في قلبك
ولا تكشفها لغيرك ليلا تصير جمرة وتحرق لسانك وتجعل في جسدك الالم وتكسبك
العار وتخزا من الله ومن الناس. يا بني اذا سمعت خبرًا لا تفشيهِ واذا نظرت شيًا
لا تحكيه. يا بني سهل خطابك للسامع ولا تبادر بردّ الجواب. يا بني لا تشتهي
حسن برّاني لانهُ يزول ويعبر والذكر الصالح يدوم الى الابد. يا بني لا تخدعك امراة
سفيهة بكلامها ليلا تموت بايشم موته وتعرقلك في المصيدة وفي الفخ تنصاد. يا بني
لا تشتهي امراة مزخرفة بالتياب والادهان وهي في نفسها وقحة سفيهة واياك ان تطيعها
[4]
وتعطيها شيًا يكون لك او تسملها ما في يدك فتلبسك الخطيه ويغضب الله عليك.
يا بني لا تكون مثل شجرة اللوز لانها تورق قبل كل شجرة واخر الكل تطعم. بل كن
مثل شجره التوت الذي يطعم قبل كل الاشجار واخر الكل تورق. يا بني احني راسك
الى اسفل وليّن صوتك وكن متأدّب واسلك في سبل الصلاح ولا تكون سفيه ولا
ترفع صوتك اذا ضحكت او تكلمت لان لو كان بالصوت العالي يُنبى بيتًا كان الحمار
يبني كل يوم بيوتًا كثيرة. يا بني نقل الحجارة مع رجل حليم اخير من شرب الخمر
مع رجل اليم (لئيم). يا بني اسكب خمرك على قبور الصالحين ولا تشربهُ مع اناس أليمين
وقحين. يا بني التصق في اناس حكما يتقون الله وكون مثلهم ولا تقرب الجاهل ليلا
تصير مثله وتتعلم طرايقه. يا بني اذا اقتنيت صديقًا او صاحبًا جرّبه وبعد ذلك
صاحبه وبغير تجربه لا تحمده ولا تفسر كلامك مع رجل غير حكيم. يا بني ما دام
في رجلك خف امشي به على الشوك واعمل طريقًا لبنوك وبني بنيك وعدّل سفينتك
قبل ان يهيج البحر وامواجه وتغرق ولا تقدر ان تخلص. يا بني الغني اذا اكل الحيَّة
يقولوا من حكمته واذا اكلها رجل فقير يقولوا الناس من جوعه. يا بني يقنعك
راسك (رزقك) ومالك ولا ترغب في شي لغيرك. يا بني لا تجاور الاحمق ولا تاكل معهُ
خبز ولا تفرح في اسيات جيراتك واذا اساء اليك عدوك باديه انت بالاحسان.
يا بني رجل ما يخاف الله خاف انت منهُ واكرمه. يا بني الجاهل يقع ويعتر والحكيم
ولو عثر ما يتزعزع ولا يقع. وان وقع يقوم عاجلًا واذا مرض يقدر يعالج نفسهُ. واما
الجاهل الاحمق ليس لدايه دواء. يا بني اذا استقبلك رجل اقل منك استقبله انت
قايم فان لم يكافيك ربه عوضه يكافيك. يا بني لا تعفي عن ضرب ابنك فان ضرب
الولد مثل زبل البستان ومثل ربط فم الكيس ومثل رباط البهيمه وغلق الباب.
يا بني اضبط ابنك من الشرور وادبهُ قبل ان يكبر ويتمرَّد عليك. ويهينك بين
اصحابك ويحني راسك في الشوارع والمحافل وتنعاب في اعماله الردية. يا بني لا تخرج
الكلمة من فمك حتى تشاور قلبك ولا تقوم بين المخاصمين لان من كلمة الشر تكون
[5]
الخصومة ومن الخصومة يكون الحرب ومن الحرب يكون القتال فتلزمك الشهاده.
لكن انت فرّ من هناك واستريح. يا بني لا تقوم مقابل من هو اقوى منك بل
اقتني لك الروح الطويله والاحتمال والمشية الصالحه لان ليس شي افضل منهما.
يا بني لا تفرح في موت عدوّك لان بعد قليل تكون جاره ومن هزلك وقّره واكرمه
واسبق عليه السلام. يا بني وان كان الماء يقف في المجرى وتطير العصافير في السما
والغراب الأسود يبيضّ والمر يحلا كالعسل فالجاهل والاحمق يفهمون ويتحكمون.
يا بني ان اردت ان تكون حكيم اضبط لسانك من الكذب ويدك من السرقه
وعينيك من نظر السوء عند ذلك تدعى حكيمًا. يا بني دع يضربك الحكيم بعصاهُ
ولا يدهنك الجاهل بدهن طيب. يا بني كن متواضع في شبوبيتك فتكرم في شيخوختك
يا بني لا تقوم مقابل رجل يكون في رياسته ولا النهر في زيادته ولا تسعى في زواج
لان ان كان فيه خيرًا لا يحمدوك وان شرًّا شتموك ولعنوك. يا بني صاحب لمن تكون
يده شبعانه ممتليه ولا تصاحب لمن يده منقبضه جيعانه. يا بني اربعه لا يثبت فيها
ملك ولا عسكر. عسر الوزير. وسو التدبير. وخبث النيه. وظلم الرعيه. واربعه
لا تختفي. العاقل. والاحمق. والغني. والفقير. فلما تم حيقار الوصايا والامثال الى
نادان ابن اخته ظن في باله انهُ قد حفظ جميع ما اوصاهُ وما علم انه يريد يباديه
بضد ذلك. وبعد هذا جلس حيقار في بيته وسلم الى نادان كل ماله والعبيد
والجوار والخيل والمواشي وغير ذلك من جميع ما يقتني وبقى الامر والنهي في يده
وتقدم عند الملك مثل خاله حيقار واكثر. وبقى حيقار في بيته مستريح ما
عاد يمضي الى عند الملك الَّا في كل مده مره يمضي يسلم عليه ويعود الى بيته.
فلما علم نادان ان الامر بقى في يده فهزل خاله حيقار وتشامخ عليهِ وبدا [يذمّهُ]
اين ما حضر ويقول ان حيقار قد بقى كبير وخرفان وما بقى يعرف شيًا. وبدي
يضرب العبيد والجوار ويبيع الخيل والجمال وتصرَّف في كل ما يملكه خاله. فلما نظر
[6]
حيقار ان نادان ليس لهُ شفقه على عبيده وبيته طرده من بيته وبعث اخبر الملك
بهِ ان عمال يبدد مقتناه ورزقه. فدعا الملك نادان وقال لهُ ما دام حيقار بالحياه فلا
يتسلط احدٌ على رزقه ومقتناه ولا على بيته. [فارتفعت] يد نادان عن حيقار وعن ماله
جميعه. وبقى لا يدخل ولا يخرج اليهِ ولا يسلم عليه. عند ذلك ندم حيقار على تعبه
على نادان وبقى حزين جدًا. وكان لنادان اخ اصغر يسما بنوذردان فاخذه حيقار
اليهِ عوض نادان ورباه غاية الاكرام وسلم اليهِ جميع ما يقتني وجعله مدبر
بيته وامره. فلما نظر نادان ما قد صار اخذه الحسد والغيره وبدي يشتكي لكل من
يسالهُ ويهزوا بخاله ويقول ان خالي قد طردني من بيته وقدم اخي عليَّ. ولكن ان
قدَّرني الله تعالى لارميه في محنة القتل. وبقى نادان يتفكر في عثرةٍ لخاله حيقار .
ومن بعد مدةٍ طويله في يوم من الايام مضى نادان وكتب رسالة الى اخيش ابن
شاه حكيم ملك الفرس والعجم يقول فيها هذا سلام تام وتحيات واكرام من سنحاريب
ملك آتور ونينوى ومن وزيره وكاتبه حيقار اليك ايها الملك الجليل سلامٌ بيني وبينك.
وان في حال وصول هذه الرسالة اليك تقوم تجي عاجلًا. والوعد الى بقعة نسرين
واتور ونينوى حتى اسلم اليك المملكة بلا حرب ولا مصاففه. وكتب ايضًا رسالة اخرى
باسم حيقار الى فرعون ملك مصر سلام بيني وبينك ايها الملك المعظم. وان في
حال وصول الرسالة اليك تقوم تجي الى اتور ونينوى الى بقعة نسرين حتى اسلم
اليك المملكة بلا حرب ولا قتال. وكان خط نادان يشبه خط خاله حيقار . ثم انهُ
طوا الرسالتين وختمهم بخاتم خاله حيقار وارماهم في دار الملك. ثم امضى ايضًا
وكتب رسالة على لسان الملك الى حيقار السلام التام على وزيري وكاتبي وكاتم
سرّي حيقار . في حين وصول الرسالة اليك اجمع العسكر الذي عندك كلهم ويكونوا
كاملين الكسوة والعدد واتيني يوم الخميس الى بقعة نسرين . وحين تراني اتيت اليك
اجعل العسكر يهيج مقابلي مثل عدوًّا يقاتلني لان [عندي] رسل فرعون ملك مصر
[7]
حتى ينظرون قوة عساكرنا ويخافون منا لانهم اعداينا ومبغضيننا. ثم ختم الرسالة
وارسلها الى حيقار مع واحد من غلمان الملك واخد الرسالة الواحدة الذي كتبها واعرضها
على الملك وقرأها عليهِ وارواه الختام. فلما سمع الملك ما في الرسالة حار حيرة عظيمه
واغتاض وغضب غضبًا شديد وقال ايش فعلت انا مع حيقار حتى كتب هذه الرساله الى
اعداي هذه مكافاتي من حيقار عوض احساني اليه. [فقال] لهُ نادان لا تغتم
ايها الملك ولا تحزن ولا تغتاض بل اننا نمضي الى بقعة نسرين وننظر الخبر ان
صحيح ام لا. ولما اتى يوم الخميس فقام نادان واخد الملك والوزرا والعساكر وانطلقوا
الى الصحراء الى بقعة نسرين . فلما وصلوا فنظر الملك الى حيقار والعسكر مصفوفين. فلما
نظر حيقار ان الملك قد اقبل فامر الى العسكر ان يهيجوا للحرب ويضربون مصاففة
مع الملك كما وجد في الرسالة وهو لا يعلم ايما بيرًا حفر لهُ نادان . فقال نادان انظر
يا سيدي ما فعل هذا الاليم ولكن لا تغتاض ولا تغتم ولا تتأَلم بل امضي ال
بيتم وانا اجيب لك حيقار مكتف مقيد بالسلاسل واطرد عدوك عنك بلا تعب.
فرجع الملك الى بيته وهو مقهور من ما فعل بهِ حيقار واخده القلق والدهش والحيرة مما
راى من وزيره وكاتم سره وصديقه الوحيد الفريد حيقار . واما نادان مضى الى
حيقار وقال لهُ والله لقد فرح الملك اليوم فرحًا عظيم وشكرك حيث صنعت ما امرك
بهِ. والان قد ارسلني حتى ان تطلق العسكر في حال سبيله وتمضي انت اليه مكتف مقيد
لينظروا رسل فرعون ذلك لان بقى الملك مهاب عندهم وعند ملكهم. فاجاب حيقار
بالسمع والطاعه وكتف يديه وقيد رجليه. واخذه نادان ومضى بهِ الى عند الملك. وكان
الملك قد نظر الرسالة الاخرة ايضًا. فلما دخل حيقار على الملك سجد امامه على الارض
على وجهه. فقال لهُ الملك يا حيقار كاتب ووليّ امري وكاتم سريّ ومدبر دولتي
قول ليّ ما صنعت معك من القبيح حتى انت تجازيني بهذه الافعال القبيحة. ثم ارواهُ
الاوراق بختمه وخطه. فلما نظر حيقار ذلك [رجفت] اعضاهُ وانعقد لسانه للوقت
[8]
ولم [بقي] يقدر يتكلم كلمة واحده من حكمتهِ ومعرفتهِ. بل انه اطرق على الارض
في راسه وسكت. فلما نظر الملك ذلك امر ان يقتلوا حيقار ويضربوا عنقه بالسيف خارج
المدينة. فصرخ نادان وقال يا حيقار يا اسود الوجه ايش نفعك مكرك وغدرك حتى
تفعل هذا الفعل مع الملك. قال وكان اسم السياف ابو سميك مسكين . فامره الملك
وقال لهُ امضي واقطع عنق حيقار في باب بيته وابعد راسه عن جثته ماية دراع. فعند
ذلك خر حيقار امام الملك وقال يعيش سيدي الملك الى الابد. فان كان انت تريد
قتلي باختيارك. وانا اعلم ان ليس لي دنب ولكن يُطالب الردي [برداه]. لكن
[أرجو] منك يا مولاي ومن صدقاتك ان تاذن للسياف ان يعطي جسدي
لعبيدي حتى يدفنوني. ويكون عبدك فداك. فامر الملك للسياف ان يفعل به كما يريد.
فاخذوا حيقار غلمان الملك والسياف ومضوا بهِ وهو عريان ليقتلوه. فلما تيقّن حيقار
بقتله ارسل الى زوجته يقول لها وكان اسمها اشغفني انك تخرجي للقايي ومعكي الف بنت
بكر والبسيهم تياب الارجوان والحرير حتى يبكون عليَّ قبل موتي واوضعي
للسياف مايدة لهُ ولغلمانه وامزجي خمرًال كثيرًا حتى يشربون. [ففعلت] حرمة
حيقار كما امرها زوجها وكانت ايضًا هي حكيمة عاقلة ماهره قد حوت الادب
والمعرفة. فلما وصلوا الجند والسياف والغلمان فوجدوا المايدة موضوعة والخمر والمواكيل
المفتخره فابتدوا بالاكل والشرب حتى انهم شبعوا وسكروا. فاخذ حيقار السياف في
عزلةٍ على جنب وقال لهُ يا ابو سميك اما تعلم لما اراد سرحادوم الملك ابو سنحاريب الملك
ان يقتلك فاخذتك واخفيتك في مكان ما احد يعلم فيهِ حتى ان طلبك الملك. وانا
كل يوم كنت ابرد خلقه حتى طلبك. فلما [أحضرتك] قدامه فرح فيك. والان
اذكر الجميل الذي صنعته معك. وانا اعرف ان الملك يندم عليَّ ويغتاظ غيظًا عظيم
لقتلي لان ليس لي دنب فتكون اذا احضرتني قدامه في منزلة عظيمة. واعلم ان نادان
ابن اختي قد غشني وصنع معي هذا الصنيع الردي ولكن سيندم الملك على قتلي. واعلم
[9]
ان لي سرداب في عتبة بيتي ولا يعلم بهِ احدًا فاخفيني هناك بعلم زوجتي اشغفني . وان
لي في السجن عبدًا مستوجب القتل اخرجهُ والبسه تيابي وامر الغلمان وهو سكارى
يقتلوه وما يعرفوا لمن قتلوا وامرهم ان يبعدوا راسه عن جثته ماية دراع واعطي جثته
لعبيدي حتى يدفنوه وتكون قد دخرت عندي هذه الدخيرة. فعند ذلك ففعل
السياف كما امره حيقار ومضوا الى الملك وقالوا لهُ يعيش راسك يا ملك الى الابد.
ثم ان اشغفني امرأة حيقار كانت [تحضر] لزوجها الاكل والشرب الى المطموره.
وكانت كل جمعه تنزّل له شي يكفيه الى جمعة الاتيه ولا يعلم بهِ احدًا. فشاع الخبر
[وذاع] وانتشر في اتور ونينوى ان حيقار الحكيم قتل ومات وناحوا عليهِ اهل
تلك البلاد جميعها وبكيوا وقالوا يا حيف عليك يا حيقار وعلى علمك وادبك. يا اسفاه
عليك وعلى معرفتك. اين بقى يوجد مثلك واين يصير فهيم عارف مدبر يشبهك
ويقوم موضعك. واما الملك فانه ندم على حيقار حيث لم ينفعه الندم فدعا نادان
وقال لهُ امضي وخد معك احباوك واعمل مناحة وبكاء لخالك حيقار ونوح عليهِ
كجاري العاده اكرامًا لخاطره. فلما مضى نادان الاحمق الجاهل القاسي القلب الى بيت
خاله حتى يبكي عليه فلم يحزن ولا بكى ولا ناح بل جمع لهُ اناس فاسقين زناه واخدوا في
الاكل والشرب وبدي نادان يمسك الجوار والعبيد الذي لحيقار ويجلدهم ويعذبهم
ويضربهم ضربًا موجعًا وما يستحي من امراه خاله التى ربتهُ مثل ولدها بل طلب منها انهُ
يقع معها في الخطية. واما حيقار كان ملقى في المطموره وهو يسمع بكاء عبيده
وجواره ويحمد الله الرحوم ويشكره. وكان يصلي الى الله تعالى ويتضرع اليهِ. وكان في
كل مدّةٍ ياتي السياف يشرف عليه وياخد بخاطره ويعزيه ويدعي لهُ بالخلاص ويمضي
في حال سبيله. فلما شاع الخبر الى ساير الاقطار ان حيقار الحكيم قد قتل ففرحت
الملوك جميعها شماتة بالملك سنحاريب وتاسفوا على حيقار وللوقت نهض ملك مصر
وكتب رسالة الى سنحاريب الملك يذكر فيها هكذا. السلام التام والتحية والاكرام
[10]
يُخص بها اخي وعزيزي سنحاريب الملك. واني قد اشتهيت ابني لي مقصوره بين السما
والارض. واريد منك ان ترسل لي من عندك رجل حكيم ماهر حتى يبني لي اياها
واريده يردّ لي جميع سوالاتي ويكون لك عند[ي] كسيم اتور ونينوى ثلاثه سنين. ثم
انهُ ختم الرساله وارسلها اليهِ. فلما وصلته الرسالة اخدها وقرأها هو ووزراه واكابر دولته
فتحيروا وبهتوا. فاغتاض الملك غيضًا شديدًا وبقى محتار كيف يعمل ويفعل ثم انهُ جمع
المشايخ والعلماء والحكما والفلاسفة والعزامين والمنجمين وجميع من في بلاده [وقرؤوا]
الرسالة قدامهم وقال لهم من فيكم يمضي الى فرعون ملك مصر ويرد له جوابه. فقالوا
يا سيدنا الملك اعلم ان ليس احدًا كان يعرف يفك هذه المشكلات سوى حيقار وزيرك
وكاتبك والان ما احد يردّ جوابه غير نادان ابن اخته لانه علمهُ جميع حكمتهِ وعلمهِ
ومعرفتهِ. فادعيه اليك لعله يقدر يحل هذه العقدة العسرة. فعند ذلك [دعا] الملك
لنادان وقال لهُ انظر هذه الرساله وافهم ما فيها فلما قرأها نادان قال للملك يا سيدي
الملك اترك الناس لانهم [يهذون] بالمحال. من يقدر يبني مقصوره بين السما والارض.
فلما سمع الملك كلام نادان صرخ [صرخة] عظيمه شديدة ونزل عن كرسيه وجلس على
الرماد وبدا يبكي وينوح على حيقار ويقول يا اسفي عليك يا حيقار يا عارف السراير
والمسايل. ويلي عليك يا حيقار يا معلم بلدي ومدبر ملكي. اين اجد مثلك يا حيقار
واين ادور عليك. ويلي عليك كيف اهلكتك وعدمتك بكلام صبي احمق جاهل بلا
معرفه ولا دين ولا مروه اه على من كان يوهبك لي او من كان يبشرني ان حيقار
طيب بالحياه لكنت اعطيه نصف مالي ونصف مملكتي. لكن من اين ذلك. اه يا حيقار
على من كان ينظرك في الحياه حتى كان يشبع من روياك وكان [يعتذر] منك . يا اسفي
عليك طول الزمان يا حيف عليك كيف قتلتك ولم اتمهل عليك حتى كنت انظر
عاقبة الامر. وبقا الملك يبكي وينوح ليلًا ونهارًا. فلما سمع السياف غيظ الملك وحزنه
على حيقار فتقدم وسجد امامه وقال يا سيدي آمر غلمانك ان يقطعوا راسي. فقال له
[11]
الملك ويحك يا ابو سميك ما هو ذنبك. فقال لهُ ابو سميك يا مولاي كل عبدٍ يخالف
كلام مولاه يُقتل وانا قد خالفت امرك. فقال لهُ الملك ما ذنبك في اي شي خالفتني.
فقال ابو سميك يا سيدي انت امرتني ان اقتل حيقار المعظم فعلمت انا انك ستندم
عليهِ وانهُ مظلوم فمضيت اخفيته في مكان ما احد يعرف فيهِ وكنت قتلت واحد من
عبيده مستحق القتل عوض حيقار وهو الان طيب في الحياه. فان امرتني فانا آتيك بهِ.
وان اردت اقتلني وان اردت اطلقني. فقال الملك ويحك يا ابو سميك انت الان تهزوا
بي وانا سيدك. فقال لهُ لا وحياتك [وحياة] رأسك يا سيدي. لكن حيقار طيب
بالحياه. فلما سمع الملك ذلك الكلام من السياف وتحققه منهُ زاغ من فرحه فقام
وقبل ابو سميك وكاد ان يغشى عليهِ من شدة الفرح وامره الملك باحضاره وقال
للسياف يا لك عبدًا صالحًا ان كلامك هذا هو صدق واريد انا اغنيك وارفع
منزلتك عند كل حواشييّ. فامر السياف باحضاره. فمضى السياف وهو فرحان حتى وصل
الي بيت حيقار وفتح المطموره ونزل الى عند حيقار فوجدهُ جالس يحمد الله ويشكره.
فصرخ [وقال لهُ] يا حيقار قد اتاك الفرج افرح وسر وابتهج. فقال لهُ حيقار ما الخبر. فاحكى
لهُ جميع ما جرى من رسالة فرعون من الاول الى الاخر. ثم انهُ اخذه ومضى الى الملك
وهو في حال العدم. وكان قد طال شعره مثل الوحوش واضافيره صارت كاضافير
النسر وجسده نحل من الزمان وطوله وكان التراب عبله وغير لونه وبقى مثل
الرماد.فلما راه سنحاريب الملك فحزن عليهِ وقام اليه واعتنقه وقبله وبكى عليه وقال لهُ
الحمد لله الذي ردك عليَّ بعد الموت ثم انهُ اخد في خاطره وسلاه واعتذر منهُ وخلع
على السياف وانعم عليهِ واوهبه مالًا جزيل واخد الملك على مداراة حيقار وراحته.
فقال حيقار للملك يعيش سيدي الملك الى الابد وان هذه الافعال هي افعال اولاد الزنا
انا ربيته لي نخلة حتى اتكي عليها فمالت وارمتني. لكن يا [سيدي] بعد ان [حضرت]
امامك فلا يغيضك امر ولا يهمك. فقال له الملك تبارك الله الذي رحمك ونظر اليّ
[12]
بك وعرف انك مظلوم فخلصك ونجاك من القتل. ولكن امضي الى الحمام واحلق
راسك وقص اضافيرك وغيّر ثيابك واتنعم مدة اربعين يومًا حتى تطيب نفسك وينصلح
حالك ويردّ لون وجهك وبعد ذلك تعال اليَّ. ثم انهُ خلع عليهِ خلعة سنيه. فشكر
حيقار للملك وانصرف الى منزله فرحان مسرور وهو يسبح الله تعالى. ففرحوا بهِ اهل
بيته واحباه وكل من سمع به انه بالحياه وفعل كما امره الملك واخد راحة اربعين يومًا.
ثم انهُ لبس افخر ملبوسه وركب واتى الى عند الملك وعبيده خلفه وخدامه فرحين
مسرورين. واما نادان لما نظر ما جرى اخده الرعب والفزع وبقى حاير لا يدري ما يصنع.
فلما دخل حيقار الى عند الملك سلم عليه. فاجلسه بجانبه وقال له يا عزيزي حيقار انظر
هذه الرسالة التي ارسلها الينا ملك مصر بعد ان سمع بقتلك وقد غلبونا وقهرونا وهربوا
اكثر اهل بلادنا الى مصر من خوف الكسيم الذي يطلبوه منا. فاخد حيقار الرسالة
وقراها وفهم جميع ما فيها. ثم انهُ قال حيقار للملك لا تغتاظ يا سيدي انا امضي الى
مصر وارد الجواب الى فرعون واشرح لهُ هذه المساله واجيب لك منه الكسيم وارد
كل الذين هربوا واخزي اعدايك بعون الله تعالى وبسعادة دولتك. فلما سمع الملك
هذا الكلام فرح وانسر خاطره وانعم عليه واوهب الى السياف مالًا كثير. ثم قال
حيقار للملك امهلني اربعين يوم لكي افتكر في هذه المسألة وادبرها. فاذن لهُ الملك
بذلك. فمضى حيقار الى منزله وامر الصيادين يصيدون لهُ فرخين نسوره. فاصطادوهم
وجابوهم لهُ. ثم امر الى [الذين] يفتلون الحبال ان يفتلوا لهُ شريطين من قطن طول
كل واحد الفين ذراع. ثم احضر النجارين وامرهم ان يصنعوا صندوقين كبار ففعلوا
ذلك. ثم انهُ اخد صبيان صغار اتنين اسم الواحد بنوحال واسم الاخر طبشاليم وبقى
كل يوم يذبح خاروفين ويطعمهم للنسوره والصبيان ويركب الاولاد على ظهور النسوره
ويربطهم عليهم ويربط الشرايط في رجلين النسوره ويطلقهم الى فوق قليل قليل كل
يوم مقدار عشرة ادرع حتى تطبعوا واتعلموا في مدة يسيره وكانوا يرتفعون الى طول
[13]
الشرايط حتى يصلوا الى الفضا والاولاد على ظهورهم. ثم انهُ يسحبهم اليه. فلما راى
حيقار ان قد تمت ارادته علّم الاولاد انهم اذا ارتفعوا الى الفضاء يصرخون ويقولون.
اوصلوا لنا حجاره وطين وكلس حتى نبني قصر الملك فرعون لاننا واقفين بطالين.
ولا زال حيقار يطبعهم ويدرّسهم حتى انهم بقوا على غاية ما يكون. فتركهم ومضى
الى الملك وقال لهُ يا سيدي قد تم العمل كما تريد لكن قوم تعال معي حتى اوريك
العجب. فمضى الملك وجلسايهِ مع حيقار . فمضى الى مكان واسع وارسل احضر النسوره
والصبيان وربطهم واطلقهم الى الجو على طول الحبال. فبدوا الصبيان يصرخوا كما
علمهم حيقار . ثم جدبهم اليه ووضعهم مكانهم. فتعجب الملك ومن [معه] عجبًا عظيم. ثم
قام الملك وقبل حيقار بن عينيه وخلع عليهِ وقال لهُ. امضي بالسلام يا عزيزي وفخر
دولتي الى مصر وردّ مسائل فرعون واغلبهُ بقوة الله تعالى. ثم ودعه. واخد حيقار
عسكره وجنوده واخد الاطفال والنسوره ومضى قاصد ديار مصر فلما وصل توجه
الى بلاط الملك. فلما علموا اهل مصر ان سنحاريب قد ارسل من خواصه رجل
حتى يتكلم مع فرعون الملك فمضوا واعلموا الملك. فارسل جماعة من خواصه
ليحضروه بين يديه. فاتى ودخل الى قدام فرعون وسجد امامه كما يليق للملوك وقال
لهُ. سيدي سنحاريب الملك يهديك جزيل السلام وقد ارسلني انا وحدي من عبيده
حتى ارد لك جوابك واقضي لك جميع ما اردت وانا مامور بكلما تحتاج اقضيه. لانك
ارسلت تطلب من سيدي الملك رجل يبني لك مقصوره بين السما والارض. فانا بعون
الله تعالى وبهمتكم الشريفة ابني لك مقصوره كما تشتهي وتريد. لكن على العهد الذي
قرّيت فيهِ عن كسيم مصر ثلاث سنين لان قرار الملوك دينًا تامًا. فان غلبتني [وقصرت]
يدي عن جوابك فيرسل لك سيدي كسيم الذي دكرت. وان اجبتك عن ما تريد
ارسل الى سيدي الكسيم الذي دكرتهُ [وأمرت] بهِ. فلما سمع فرعون هذا الكلام تعجب
وتحيّر من انطلاق كلامه وحلاوة لسانه فقال يا رجل ما اسمك. فقال لهُ عبدك ابيقام
[14]
وانا نملة من نمل سنحاريب الملك. فقال لهُ فرعون اما كان عند سيدك ارفع شان منك
حتى ارسل لي نملة تجاوبني وتتكلم معي. فقال لهُ حيقار ارجوا من الله تعالى اني اتمّ
ما في خاطرك يا سيدي لان الله مع الضعيف ليتعجب القوي. فعند ذلك امر فرعون
ان يهبوا الى ابيقام منازل الى جنوده ومن معه ويجعلوا لهم العلافة والاكل والشرب
وجميع ما يختص لهم بغاية ما يكون. فلما كان من بعد ثلاثة ايام لبس فرعون الارجوان
الاحمر وجلس على كرسيه وكل عظمايه ووزراه واقفين مكتفين الايادي جاملين الرجلين.
فارسل احضر حيقار الذي صار اسمهُ ابيقام الى عنده فقال له فرعون يا ابي قام لمن اشبه
انا واكابري ووزراي لمن يشبهوا. فقال لهُ ابيقام يا سيد انت تشبه لبيل الصنم واكابرك
يشبهون لخادميه. فقال لهُ امضي وفي الغد تعال الى هاهنا. فسجد ابيقام امام فرعون
الملك ومضى كما امره فرعون . وفي الغد اتى الى قدام فرعون وسجد لهُ ووقف بين يديه.
وكان فرعون قد لبس احمر ملون وعظامايهِ قد لبسوا ابيض. فقال له فرعون يا ابيقام
لمن اشبه انا واكابري لمن يشبهون. فقال ابيقام يا سيدي انت تشبه الشمس وخدامك
يشبهون الشعاع. فقال لهُ فرعون امضي الى منزلك [وفي] الغد تعال الى هاهنا.
فمضى وفي الغد امر فرعون الملك واوصى اكابره انهم يلبسون ابيض صافي ولبس هو
ايضًا كذلك وجلس على كرسيه وامر باحضار ابيقام . فدخل وسجد امامه ووقف.
فقال له فرعون لمن اشبه انا واكابري لمن يشبهون. فقال لهُ يا سيدي انت تشبه القمر
وخدامك وجنودك يشبهون الكواكب والنجوم. فقال لهُ امضي وفي الغد تعال الى
هاهنا. ثم امر فرعون لعظمايه ان يلبسوا اتياب ملونه مختلفة الالوان ولبس هو توب
مكملًا احمر وجلس على كرسيه وامر باحضار ابيقام . فدخل اليه وسجد امامه ووقف
فقال له يا ابيقام انا لمن اشبه وجنودي لمن يشبهون فقال يا سيدي انت تشبه الى
شهر نيشان وجنودك واكابرك يشبهون الى بيبونه وزهره. فلما سمع فرعون ذلك فرح
فرحًا عظيم. وقال يا ابيقام اول مره شبهتني لبيل الصنم وتاني مره شبهتني للشمس
[15]
وثالث مره شبهتني للقمر ورابع مرة شبهتني لشهر نيسان واكابري لبيبونه وزهره. لكن
قول الان سيدك سنحاريب الملك لمن يشبه واكابره لمن يشبهون. فصرخ حيقار وقال
حاشا ليّ ان اذكر سيدي الملك وانت جالس على كرسيك. لكن قوم على رجليك
حتى اقول لك سيدي لمن يشبه واكابره لمن يشبهون. فتحير فرعون من [جراءَة] لسانه
وشجاعته في كلامه. ثم انهُ قام عن كرسيه ووقف نصب حيقار وقال قل ليّ الان
حتى انضر سيدك لمن يشبه واكابره لمن يشبهون. فقال لهُ سيدي يشبه الاه السما
وكابره يشبهون البرق والرعد. فان اراد هبت الرياح ونزل المطر. وان امر الرعد فيبرق
ويرعد ويامر الشمس فلا تعطي ضوها. والقمر والكواكب لم يسيرون ويأمر العواصّف
فتهب وتنزل الامطار. ويخبط نيسان وينتره ولزهره وبيبونه. فلما سمع فرعون هذا
الكلام حار حيرة عظيمة واغتاظ غيظًا شديد وقال لهُ يا رجل [قل لي] الصحيح وعرفني
من انت حقًا. فقال لهُ انا حيقار الكاتب اكبر خواص الملك سنحاريب وانا وزيره
ومدبر دولته وكاتم سره. فقال لهُ فرعون صدقت يا حكيم في هذا القول. وهذا الكلام
حقًا. ولكن نحن سمعنا ان حيقار قد مات وها انت طيب بالحياة. فقال لهُ نعم كان ذلك
ولكن الحمد لله عالم الخفايا لا[ن] سيدي الملك امر بقتلي واعتقد على قول المفسدين
ولاكن الرب نجاني فالطوبى لمن اتكل عليهِ. فقال لهُ فرعون امضي وفي الغد تعال الى
هاهنا [وقل لي] كلمةً ما احد سمعها ولا اكابري ولا من اهل دولتي. فمضى حيقار الى
منزلهِ وكتب رسالةً يقول فيها هكذا. من سنحاريب ملك اتور ونينوى الى فرعون
ملك مصر سلام عليك يا اخي. والذي نعلمك به ان الاخ يحتاج الى اخيه والملوك
تحتاج الى بعضها بعض [والمرجو] منك ان تقرضني تسع ماية قنطار ذهب لاني
احتجت الى علوفة بعض العسكر حتى انفق عليهم. ثم طوا الرسالة وفي الغد احضرها
قدام فرعون . فلما قرأها تحير وقال بحقٍ اني لم اسمع مثل هذه الكلمه قط ولا تفوه
فيها احد. فقال له حيقار بحق ان بقى هذا عندك لسيدي الملك. فقبل فرعون دلك.
[16]
وقال. يا حيقار مثلك من يصلح لخدمة الملوك. تبارك الله الذي كملك بالحكمة وزينك
بالفلسفة والمعرفة. والان بقى مرادنا منك ان تبني لنا المقصوره بين السما والارض.
فقال حيقار السمع والطاعه انشاء الله ابني لك مقصوره كما تريد ايضًا وتختار. ولكن
هيي ليّ الكلس والحجاره والطين والفعاله. وانا عندي معلمين وبنايين فيبنون لك
كما تريد. فهيا الملك فرعون جميع ذلك ومضوا الى مكان واسع ومضى حيقار
وغلمانه واخد النسوره والصبيان ومضى الملك واكابره وجميع اهل مملكته وعساكره
باسرها حتى ينظروا ما يصنع حيقار . فعند دلك اخرج حيقار النسوره من الصناديق
وربط الصبيان على ظهور النسوره وربط الشرايط بارجلهم واطلقهم الى الجوء
فارتفعوا حتى بقوا بين السما والارض وبدوا يصرخوا ويقولوا اوصلوا لنا حجر
وطين لان الفعاله بطالين. فعند ذلك بهتوا جميع الحاضرين وتعجبوا وتحيروا وتعجب
الملك واكابره. وبقى حيقار وغلمانه يضربوا الفعاله ويصرخوا على جند الملك ويقولوا لهم
قدموا للمعلمين ما يريدوا ولا تعوقوهم من شغلهم. فقال فرعون يا حيقار انت مجنون
من يقدر يوصّل لهذا البعد شيًا. فقال حيقار الى فرعون الملك لكن كيف ياس يدي
الملك يبنى قصرًا في الجو. لكن لو كان سيدي الملك سنحاريب هاهنا لكان يبني
مقصورتين في يوم واحد. فقال لهُ فرعون امضي يا حيقار الى منزلك واستريح اليوم لاننا
قد عبرنا من بنيان القصر. في الغد تعال الى عندي. فمضى حيقار الى منزله وفي الغد حضر
قدام فرعون . فقال لهُ فرعون يا حيقار كيف خبر حصان سيدك لانه اذا صهل في بلاد
اتور ونينوى يسمعون خيلنا صوته فيطرحون. فتركه حيقار ومضى اخد سنوره
وربطها وبدي يجلدها جلدًا شديدًا حتى سمعوا المصريين حسها. فمضوا واعلموا
الملك بذلك. فارسل احضره وقال له يا حيقار لاي سبب تجلد هذه السنوره
وتضربها هذا الضرب هذه ما هي حيوان اخرس. فقال له حيقار يا سيدي الملك
قد فعلت معي فعل قبيح [فاستوجبت] هذا الضرب والجلد. فقال فرعون وما هو هدا
[17]
الفعل الدي فعلتهُ معك. فقال حيقار قد كان سيدي سنحاريب الملك اوهبني ديك
مليح وكان لهُ صوت عظيم صحيح وكان يعرف ساعات الليل. فمضت هذه
السنورة المفسده في هذه الليله [قطعت] راسه واتت. فلاجل هذا الامر باديتها
بهذا الضرب والجلد. فقال له فرعون يا حيقار اراك كلما تكبر تخرف لان بين
مصر ونينوه ثمانية وستون فرسخ فكيف مضت هذه السنوره في هذه الليله
وقطعت راس الديك واتت الى هاهنا. فقال لهُ حيقار يا سيدى اذا كان بين مصر
ونينوى هذه المسافة كيف اذا صهل حصان سيدي الملك يسمعوا خيكلم فيطرحون.
وكيف يصل حس الحصان الى مصر . فلما سمع ذلك فرعون من حيقار علم انهُ رد
جوابه عليه فقال له يا حيقار اريد ان تعمل لي حبلين من رمل البحر. فقال لهُ حيقار
ارسم ان يخرجوا ليّ من الخزانة حبل حتى اصنع مثله. فاخرجوا لهُ حبل ثم ان
حيقار مضى الى قفا البيت وتقب تقبين على غلظ الحبل واخذ [حفنةً] من رمل
البحر فلما طلعت الشمس ودخلت في الابخاش بدر الرمل في الشمس حتى بقى مثل
الحبل وقال لفرعون امر عبيدك ان ياخذوا هذه الحبال وكلما تريد افتل لك مثلها.
فقال فرعون يا حيقار لنا هاهنا حجر رحي قد انكسر اريد منك ان تخيطها.
فنظر حيقار فوجد هناك حجر اخر. فقال لفرعون يا سيدي انا هاهنا رجل غريب
وليس معي آلة الخياطه لكن اريد منك ان تامر لاصدقاك الاساكفه يقدّون ليّ من
هذا الحجر مخارز ومخيطه وكاز حتى اخيط لكم هذه الحجر الرحى. فضحك فرعون
لان حيقار قد رد عليهِ جوابه. فلما نظر فرعون الملك وكل اكابره وقالوا تبارك الله
الذي اوهبك هذه الزكاوه والمعرفة. ثم امر فرعون الملك الى اكابره ان يجمعوا
الكسيم عن ثلاث سنوات ويقدموه الى حيقار مع الدين الذي كتبه حيقار وخلع
عليه وعلى عسكره وغلمانه واعطاه خرجية الدرب وقال له امضي بالسلام يا عز سيده
وافخار استاذه. مثلك من يكون مدبر ملوك وسلاطين. واقري سلامي على سيدك
[18]
سنحاريب الملك وقول لهُ لا يواخذنا بما اهديناه لان الملوك تقنع بالقليل. فقبل
حيقار ذلك منه. ثم انه قبّل الارض امامه وقال له اريد منك يا سيدي ان تامر ان
لا يبقا احدًا في ارض مصر من اتور ونينوى حتى يمضي مع حيقار . فارسل فرعون
مناديًا ونادى كما قال له حيقار . فعند ذلك مضى حيقار وودع فرعون وصار طالب
ارض اتور ونينوى ومعه من الخزاين والاموال شيًا كثير. فلما بلغ الخبر لسنحاريب
الملك خرج الى لقاء حيقار وفرح به فرحًا عظيمًا وقبله وقال له اهلًا وسهلًا ومرحبًا
في ابي وعز دولتي وفخر ملكي اطلب مني ما تشتهي وتختار ولو اردت نصف ملكي
ومقتناي. فقال له حيقار يعيش راس سيدي الملك الى الابد ان كان تريد تنعم عليَّ
انعم على ابو سميك السياف لان بموافقتهِ مع ارادة الله تعالى كانت حياتي ثانيًا. فقال
كرامةً لك يا عزيزي انا اكرم عليه. ثم انه بدى يساله بما جري له مع فرعون من
الامثال والرموز وكيف قدم له الاموال والهدايا والكسيم والخلع. فاحكا له بجميع ما
جرى لهُ. ففرح سنحاريب الملك فرحًا عظيم. ومن بعد الكلام فقال لهُ الملك يا حيقار
خذ ما تشتهي وتحب من هذا جميعه فهو في قبضة يدك. فقال حيقار يعيش الملك الى
الابد انا ما اريد الا سلامتك ودوام دولتك. ايش اعمل انا في المال وغيره. لكن ان
كنت تريد تنعم عليَّ بشي فانعم عليَّ في ابن اختي نادان حتى اجازيه بما فعل معي.
ولكن اريد منك ان توهبني دمه وتحاللني فيهِ. فقال لهُ سنحاريب خذه قد اوهبتك
اياه فاخذه حيقار وربط يديه ورجليه واخذه الى منزله وجعل في رجليه قيد حديد
تقيل وضربه ضربًا شديدًا موجعًا على رجليه وظهره وبطنه واباطات سيقانه وبعد
الضرب القاهُ في مكان مظلم بجانب الكنيف وجعل عليه بنوحال حارسًا وامره ان
يعطيه كل [يوم] رغيف خبز وما قليل. وكان حيقار كلما يدخل ويخرج يعاقب نادان
ويقول لهُ بحكمة يا بني عملت معك كل خير واحسان وانت باديتني عوضه بالقبيح
والردي والقتل. يا بني قيل في الامثال من لا يسمع من ادنيه من قفا رقبته يسمعوه.
فقال له نادان يا خالي لاي سبب انت غضبان عليَّ. قال له حيقار لاجل اني
[19]
وقرتك واكرمتك وعظمتك وربيتك احسن تربيه وعلمتك حتى تكون وريثي في
العالم والحكمة والمال فباديتني بالقتل ورمت هلاكي لكن الرب علم اني مظلوم
فخلصني من شرك. لان الرب يجبر قلوب المنكسره ويرذل الحسودين المتكبرين. يا بني
صرت مثل عقرب الذي اذا ضرب ذنابته في النحاس تقبه. يا بني انت صرت ليّ
مثل الحجلة المربوطة في الشبكه فلا تقدر تخلّص روحها ونفسها بل تدعي الحجل
لترميهم معها. يا بني انت صرت مثل الكلب الذي برد فدخل الى بيت الفخار ليدفا
فلما دفى بدي ينبح عليهم فطردوه وطردوه ليلا يعضهم. يا بني انت صرت مثل الخنزير
الذي دخل الى الحمام مع الاكابر فلما خرج نظر جورة [سيان] نتنه فنزل تمرغ فيها.
يا بني انت [صرت] مثل التيس الذي يدخل ويدخل ارفاقه الى الدبح ولا يقدر
يخلص روحه ونفسه. يا بني يدًا لم تتعب وتفلح وتكون حريصه شاطره تقطع من
اباطها. يا بني انت صرت مثل الشجره الذي قطعوها وفروعها معهم. فقالت لهم لولا ما
في يدكم مني لما قدرتم على قطعي. يا بني انت صرت مثل السنوره التي قالوا لها بطلي
السرقه حتى نصنع لكِ قلايد من ذهب ونطعمكي سكر ولوز. فقالت لهم انا [صنعة]
ابي وجدي ما بعدّي عنها. يا بني انت صرت مثل ثعبانًا راكبًا على عوسجة وهم في
وسط النهر فنظرهم ديب وقال شرٌ على شرٍ والذي اشرّ منهم يدبرهم اتنينتهم.
يا بني انا ماكولًا جيد اطعمتك وانت خبز حاف ما اطعمتني انا السكر والشراب
الجيد اسقيتك وانت من ما البحر ما اسقيتني انا علمتك وربيتك احسن تربيه
وانشيتك مثل ارز لبنان وانت جدبتني واعكفتني من اسائك. يا بني انا كان املي
انك تبتني لي برجًا حصين لاستتر فيه من اعدايي وانت [صرت] ليّ كالدافن في بطن
الارض لكن الرب رحمني. يا بني انا اردت لك الخير وانت جازيتني شرًا وقبيح والان
اريد اقلّع عينيك واجعلك ماكلًا للدياب واقطع لسانك وفي حدّ السيف اخذ
راسك واجازيك عوض افعالك الشنيعه. فاجاب نادان وقال لحيقار خاله اصنع معي
[20]
مثل معروفك واغفر ليّ اثامي لان مثلي من يخطي ومثلك من يغفر واقبلني الان
ان اخدم في بيتك واسوس خيلك واكنس زبلهم وارعى خنازيرك. لاني انا الشرير
وانت الصالح. انا المذنب وانت المسامح. فقال له حيقار يا بني انت مثل الشجره التي
كانت على جانب الماء عديمة الثمر. فاراد صاحبها يقطعها فقالت له حولني الى مكانٍ
اخر فان لم اثمر اقطعني. فقال لها صاحبها انتي على جانب [الماء] ولم تثمري فكيف
تثمري وانتي في غير مكان. يا بني شيخوخة النسر اخير من شبوبية الغراب. يا بني قالوا
للديب ابعد عن الغنم ليلا [يؤذيك] غبارهم فقال لهم ان غبارهم نافع لعيناي. يا ولدي
ادخلوا الديب للكتاب حتى يتعلم القراة فقالوا لهُ قل الف با تا ثا. فقال خاروف
عنز جدي كما في بطني. يا بني وضعوا راس الحمار على المايده فوقع وبدا يتمرغ
في الثراب. فقال دعوه يتمرّغ لان طبعه لا يتغير. يا بني قد ثبت القول لمن قال
اذا ولدت ولدًا ادعيه ابنك واذا ربيت ولدًا ادعيه عبدًا. يا بني الذي يعمل الخير
خيرًا يُلقى والذي يصنع الشر شرًا يلقا لان الرب يجازي الانسان على قدر عمله.
يا بني ايش اقول لك اكثر من هذا الكلام لان الله عالم الخفايا ويعرف السراير والضماير
فهو يحكم بيني وبينك ويجازيك ويكافيك بما تستحق. فلما سمع نادان هذا الكلام من
خاله حيقار انتفخ لوقته وبقى مثل الزق المنفوخ [وورمت اعضاؤهُ] وساقيه ورجليه واجنابه
وتمزق وانشق وتبددت مصارينه وهلك ومات [وصارت] آخرته الهلاك ومضي الى
جهنم وبيس المصير. كما قيل في الكتب ان الذي يحفر لاخيه حفرة يقع فيها. والذي
ينصب فخًا لغيره يقع فيه. وهذا ما وجدناه من خبر حيقار الحكيم. تمت
Distributed under a Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) License.

Rechtsinhaber*in
Niedersächsische Staats-und Universitätsbibliothek Göttingen

Zitationsvorschlag für dieses Objekt
TextGrid Repository (2026). The Story and Proverbs of Ahiqar the Wise. Arabic. Salhani. Salhani. The Story and Proverbs of Ahiqar the Wise. Niedersächsische Staats-und Universitätsbibliothek Göttingen. https://hdl.handle.net/21.11113/3rx15.1