1.
2.
[198b]نبتدي بعون الباري تعالى جلّ اسمه وتعالى ذكره الى الابد اعلم
ايها القاري حكمة الذي في هذا الكتاب ليس توجد في كل مكان
ايضًا نكتب خبر الحكيم الماهر الفيلسوف الشاطر حيقار وزير
سنحاريب ابن سرحادوم ملك اثور ونينوى والموصل وما جرى
منه ومن ابن اخته ناثان
[199a]كان في ايام الملك ابن سرحادوم ملك ارض اثور ونينوى وبلادها
رجل حكيم يقال له حيقار وكان وزير الملك سنحاريب وكاتبه وكان ذو
مالًا جزيل ورزق كثير وكان ماهر حكيم فيلسوف ذو معرفة وراي
وتدبير وحزم وكان قد تزوّج ستين امراة وبنا لكل واحد منها مقصورة
ومع هذا كله لم يكن له ولدٍ يرثه وكان كثير الهم لاجل ذلك وانه في ذات
يوم جمع المنجمين والسحره والعارفين واشكا لهم حاله وامر عقوريته فقالوا
له ادخل اذبح للالهه واستجير بهم لعلهم يرزقوك ولدًا ففعل كما قالوا
له وقدّم القرابين للاصنام واستغاث بهم وتضرع اليهم بالطلبة والدعا
فلم يجيبوه بكلمه فخرج حيقار حزين كائب وانصرف متالّم القلب ورجع
بالتضرع الى الله تعالى وامن واستعان به بحرقة قلب قايلًا يا اله السما
والارض يا خالق الخلايق كلّها انا اطلب اليك ان توهبني ولدًا حتى اتعزّا
به ويرثني ويحضر موتي ويغمّض عيناي ويدفنني فعند ذلك اتاه
صوت من السما قايلًا بحيث اتّكلت اوّلًا على الاصنام المنحوته وقدّمت
لهم القرابين لذلك تبقا بلا ولد ولا بنين ولا بنات بل ان ناثان ابن اختك
خذه واجعله لك ولدًا وعلّمه علمك وادبك وحكمتك وهو يرثك عند ذلك
اخذ ناثان ابن اخته وكان صغير يرضع فسلّمه الى ثمانية نسا مرضعات
ليرضعوه ويربّوه فربّوه بالاكل الطيّب والتربية اللطيفة والبسه
الحرير والارجوان والقرمز وكان جلوسه على الطنافس الحرير فلما
كبر ناثان ومشي ونمي مثل الارز العالي فعلّمه الكتابه والقرااه والتاديب
والفلسفه فلما كان بعض الايّام نضر سنحاريب الملك فراى حيقار
وزيره وكاتبه وهو قد بقي رجل شيخ كبير فقال له ايّها الصاحب المجيد
المحب المكرم الماهر المدبر الحكيم كاتبي ووزيري وكاتم سري ومدبر
دولتي ها قد كبرت وطعنت في السن وشخت وقرب وقت موتك
ووفاتك
[199b]ووفاتك فقول لي من يقوم في خدمتي بعدك فقال له حيقار يعيش سيدي
الملك الى الابد فهوذا لي ابن اختي ناثان قد اتخذته وعلمته وربيته وفهمته
جميع ما املك من الحكمه والحشمه والادب فقال الملك امضي ايتيني به
لانظره فان وجدته لايقًا لي فاقيمه عوضك وانت اطلق سبيلك لتمضي
تستريح وتنيح شيخوختك وتعيش باقي عمرك بكرامةٍ حسنه حينئذٍ
مضى حيقار واحضر ناثان ابن اخته الى عند الملك فدخل ناثان الى
الملك وسجد له ودعا بادب وحشمه فنظره الملك واعجبه وفرح به
وقال لحيقار هذا ابنك يا حيقار اطلب من الله ان يحفظه وكما انت
خدمتني وخدمت ابي سرحادوم كذلك يكون هذا ولدك يكرمني يخدمني
ويقضي مصالحي وحوايجي واشغالي حتى اكرمه واعزه لاجل خاطرك
فسجد حيقار للملك وقال له يعيش سيدي الملك الى الابد ورجائي
منك يا سيدي ان تطوّل روحك على ولدي ناثان وتسامح له غلطاته
حتى يخدمني كما ينبغي عند ذلك حلف له الملك ان يجعله اكبر محبيه واعزّ
اصدقاه ويكون عنده في كل كرامه ووقار فقبّل اياديه ودعا له واخذ
ابن اخته معه واجلسه في خلوه وبدا يعلمه الليل والنهار حتى اشبعه
حكمه وعلم ومعرفه اكثر من الخبز والما: وهاكذا كان يعلّمهُ ويقول لهُ
يا ابني ناثان اسمع كلامي واتبع رايي وكون اذكر قولي. يا ابني ان
سمعت كلمه دعها تموت فى قلبك ولا تكشفها لغيرك ليلا تصير جمرة
نار وتحرق لسانك وتجعل في جسدك الالم وتكسبك العار وتخزا
من الله ومن الناس. يا بني سهّل خطابك للسماع ولا تبادر بردّ الجواب
يا بني لا تشتهي حسن البراج لانهُ يزول واسم الصالح يدوم ويبقا
الى الابد يا بني لا تخذلك امراه سفيهة بكلامها ليلا تموت بايشم
[200a]موته وتعرقلك فى المصيده وفى الفخ [تنصاد] يا بني لا تشتهِ امراه مزخرفه
بالثياب والادهان وهي في نفسها وقحه سفيهة واياك ان تطاوعها في شيًا
يكون لك وتسلّمها ما في يدك فتكسب الخطيه ويغضب الله عليك. يا بني
لا تكون مثل شجرة اللوز لانها تورق قبل كل الاشجار واخر الكل تطعم بل كون
حليم مثل شجرة التوث ولين صوتك وكون متادّب واسلك فى سبل الصلاح
ولا تكون سفيه ولا ترفع صوتك اذا ضحكت او تكلمت لان لو كان
بالصوت العالي يبنا البيت كان الحمار يبني [كل يوم] بيوت كثيره يا بني اسكب
خمرك على قبور الصالحين ولا تشربهُ مع اناس اليمين حمقين يا بني
التصق في اناس حكما يتقون الله وكون مثلهم ولا تقترب الجهّال ليلا
تصير مثلهم وتتعلم طرايقهم يا بني اذا اقتنيت صديق او صاحب جربهُ
سابقًا وبعد ذلك عاشرهُ وبغير تجربه لا تحمده ولا تفسد كلامك
مع رجلًا غير حكيم يا بني ما دام حذاك في رجلك [خُف] امشي بهِ
على الشوك واعمل طريقًا لبنوك وبني بيتك وعدّل سفينتك
قبل ان يهيج البحر وامواجه وتغرق ولا تقدر تخلص . يا بني الغني
اذا اكل الحيّه يقولون الناس من حكمته واذا اكلها المسكين يقولون
الناس من جوعه يا بني يقنعك رزقك ومالك ولا ترغب في رزق
غيرك يا بني لا تجاور الاحمق ولا تاكل معه خبز ولا تفرح فى اسيّات
جيرانك واذا اسا اليك عدوك باديه بالاحسان. يا بني الجاهل
يعثر ويقع والحكيم ولو عثر ما يتزعزع ولا يقع وان وقع يقوم
عاجلًا واذا مرض يعالج روحه واما الجاهل الاحمق ليس لدايه دوا
يا بني اذا استقبلك رجل اقلّ منك استقبلهُ وانت قايم فان لم
يكافيك هو
[200b]يكافيك ربّهُ عنه يا بني لا تعفي عن ضرب ابنك فان ضرب ابنك الولد
مثل الزبل للبستان ومثل ربط ثم الكيس ومثل رباط البهيمه وغلق
الباب يا بني اضبط ابنك من الشرّ وادّبهُ قبل ان يكبر ويتمرّد عليك
ويهينك بين اصحابك ويحني راسك في الشوارع والمحافل وتتعاقب
انت بسو اعمالهِ الرديّه يا بني اقتني ثور مرّبع ذو اضعاف وحمار
كبير الحوافر ولا تقتني ثور قرباني ولا تصاحب رجل دقناي ولا تقتني
عبد هارب ولا جاريه سرّاقه لانك كلّ شي تسلّمهُ اليهم يهلكوهُ
يا بني لا تحوج والديك يلعنوك فيستجيب الرب منهم لانهُ قد قيل
من يشتم امّهُ وابوهُ موتًا يموت اعني موت الخطيّه ومن يكرم
والديهِ تطول حياتهُ وينظر [كل خير] يا بني لا تمشي في طريق بغير
سلاح لانك لا تعلم اين يلقاك العدو لكي تكون مستحضرًا لهُ
يا بني لا تكون كالشجرة العريانه التي بغير ورق ولا ثمر بل كون كالشجرة
المجلّله بورقها وقضبانها لان هكذا الرجل في بيتهِ مع امراتهُ واولادهُ
واخوتهُ يشبه لهذه الشجرة المثمره وامّا الرجل الذي ليس لهُ امراه
ولا اولاد فهو في الدنيا معيره لاعدايه وممقوت عندهم شبه الشجرة
التي ليس لها ثمر ولا ورق يا بني كون كالشجرة المثمره على جانب الطريق
[وكل من] يمرّ ياكل منها وحيوان البر يستظلّ فيها وياكل من ورقها يا بني
لا تقول ان سيّدي احمق وانا حكيم ولا تحدّث عن سيّدك كلام جهل
وحماقه ليلا تكون عندهُ مرذول. يا بني لا تكون من العبيد الذين
يقولون [لهم] اسيادهم اخرجوا عنّنا بل كن من الذين يقولون لهم
ادنوا وتعالوا. يا بني لا تشتم ربك الذي خلقك ليلا يسخط عليك
يا بني غنمةً تسرع خطواتها تصير ماكلًا للذيب يا بني حسّن كلامك
وحلّي لسانك ولا تترك رفيقك يدوس على رجلك ليلا يدوس
[201a]مرّة اخرى على صدرك يا بني اذا ضربت الحكيم بكلام حكمه يبقا في قلبه مثل
حمّة الرفيعه والجاهل اذا ضربتهُ بعصاه لا يفهم ولا يسمع. يا بني اذا ارسلت
الحكيم في حاجتك لا توصّيهِ كثير واذا ارسلت الاحمق لا توصّيهِ بل انت
امضي واقضي شغلك لانهُ ولو وصيّتهُ ما يقضي كما تريد يا بني اذا ارسلوك
في حاجه فوز بقضاها عاجلًا واياك ان تعادي رجل اقوى منك لانّهُ
يوزن وزنك وينتقم منك يا بني جرّب ابنك وغلامك قبل ان تسلّم لهم
رزقك والّا فيبدّدوهُ لان من هو يدّهُ ممتليه يدعا حكيم ولو كان
احمق جاهل ومن هو يدّهُ فارغه دايم يدعا مسكين وجاهل ولو كان
راس الحكما يا بني اكلت العلقم وبلعت الصبر فما وجدت امرّ من الفقر
والقلّه يا بني علّم ابنك الضيق والجوع حتى يحسن تدبير بيتهُ
ولا تعلّم الجاهل كلام الحكمه وان احتجت لا تكشف حالك لصاحبك
ليلا تكون عنده خسيس يا بني عما العين اخير من عما القلب لان
الاعمى يهتدي الطريق قليلًا قليلًا واعمى القلب لا يهتدي بل يترك
الطريق المستقيم ويمضي في الاعوج وعثرة الانسان برجلهِ اخير من
عثرته بلسانهِ يا بني الصاحب القريب اخير من اخًا بعيد واسمًا جيّدًا
اخير من دهنًا جيّدًا لان الدهن يفرغ والاسم الجيّد يدوم ويبقا
الى الابد والحسن يبلا والعالم يفنا والدنيا تزول وتبطل يا بني رجل
ليس له راحه موتهُ اخير من حياته وصوت البكا اخير من صوت الفرح
لان الحزن والبكا فيهم مخافة الله يا بني مال قليل مجموع اخير من مال كثير
مبدّد وكلب حي اخير من سبع ميت وانسان فقير يعمل خير اخير من
غني ميّت بالخطايا يا بني اطمر الكلمه فى قلبك يكون لك جيّد وايّاك ان
تكشف سرّ صاحبك يا بني لا تخرج الكلمه من فمك حتى تشاور قلبك
ولا تقوم بين الذين يتخاصمون لان من كلمة السو تكون الخصومه ومن
الخصومه
[201b]الخصومه يكون الحرب ومن الحرب يكون القتال فتلزمك الشهاده ففرّ من
هناك واستريح يا بني لا تقوم مقابل من هو اقوا منك بل ان تقتني
[لك] الروح الطويل والاحتمال بمشية صالحه لان ليس افضل منهما.
يا بني لا تبغض صديقك الاوّل ⟨لان الثاني لم يدوم افتقد المسكين فى ضيقته وحدّث⟩ عنه السلطان واجتهد ان تخلّصه
من فم السبع يا بني لا تفرح في موت عدوّك لانّك بعد قليل تكون
جيرانه ومن هزلك وقرّهُ واكرمهُ واسبق عليه بالسلام يا بني [إن كان]
الما يقف في [المجاري] وتطير العصافير الى السما وغراب الاسود يصير
ابيض والمر يحلا كالعسل فان الجاهل والاحمق يفهمون ويتحكمون
يا بني ان اردت ان تكون حكيم اضبط لسانك من الكذب ويدّك
من السرقه وعينك من نضر الردي عند ذلك تدعى حكيم يا بني دع
يضربك الحكيم بعصاه ولا يدهنك الجاهل بدهن طيب يا بني كون متواضع
في شبوبيّتك فتكرم في شيخوختك يا بني لا تقوم لقا رجل في ايّام
رياسته ولا النهر في زيادته ولا [تسعى] في زواج فانكان خيرًا ما
يحمدوك وانكان شرًّا يشتموك ويلعنوك يا بني ان سرقت سرقه
وعلم بها السلطان اعطيه منها جزهُ حتى تخلص وان ما اعطيته
فتقاسى المراره يا بني صاحب لمن تكون يدّهُ ممتليه شبعانه ولا تصاحب
لمن يدهُ منقبضه جيعانه يا بني اربعه لا يثبت فيها ملك ولا عسكر
جود وزير وسو التدبير وخبث النيّه وظلم الرعيّه واربعه لا
تختم ولا تختفي العاقل والاحمق والغني والفقير قال فلمّا تمّ حيقار
هذه الوصايا والامثال الى ناثان ابن اخته ظن في باله انه قد حفظ
الجميع وما علم انّهُ يباديه عوض ذلك بالتعب والشتم والمسبّه عند
ذلك جلس حيقار في بيته وسلّم الى ناثان جميع مالهِ والعبيد والجوار
والخيل والمواشي وغير ذلك من [كل ما] يملك وبقى الامر والنهى في يدّه وتقدّم
[202a]عند الملك سنحاريب مثل خاله حيقار واكثر فلما نظر ناثان الى الامر انهُ
بيدهِ هزل خالهُ حيقار وبدا يذمّهُ في اين ما حضر ويقول ان حيقار قد
كبر وخرف وما بقا يعرف شي وبدا ناثان يضرب الجوار والعبيد ويبيع
الخيل والجمال وتصرّف في جميع ما يملكهُ خالهُ فلما نظر حيقار انه ليس
له شفقه على مقتناه طردهُ من بيتهِ واعلم فيهِ الملك فدعا الملك
لناثان وقال لهُ ما دام خالك طيّب فما يقدر احدٍ يتسلّط على بيتهِ
ومالهِ وبقا بعد ذلك حيقار حزين على تعبهِ الذي تعبه مع ناثان
وكان لناثان اخًا صغير يسما نبوزردان فاخذهُ حيقار اليه عوض
ناثان واكرمه غاية الاكرام وسلّم لهُ جميع ما يقتني وجعلهُ مدبّر
بيتهُ وامرهُ فلما نظر ناثان ما قد صار اخذه الحسد والغيره وبدا
يشتكي [لكل من] يجالسهُ ويهزوا في خالهِ ويقول ان خالي طردني من بيتهِ
وقدّم اخي عليّ ولكن ان قدّرني الله لارميه في محنه للقتل وبقي
ناثان يفتكر في عثرة خالهِ فبعد مضيّة ايام وسنين مضى ناثان
وكتب رساله الى اخيش ابن شاه حليم ملك الفرس والعجم يقول
فيها سلاما تام مع تحيات واكرام من سنحاريب ملك اثور ونينوى
ومن وزيره وكاتبه حيقار اليك ايها الملك الجليل سلام بيني وبينك
وان في حال وصول هذه الرساله اليك تقوم عاجلًا وتجي الى بقعة اثور
ونينوى حتّى اسلّم لك المملكه بلا حرف ولا مصاف وكتب ايضًا رسالةً
اخرى باسم حيقار الى فرعون ملك مصر سلام بيني وبينك ايّها الملك
المعظّم وان في حال وصول هذه الرساله اليك تقوم تجي الى اثور
ونينوى الى بقعة نسرين حتى اسلّم لك المملكه بلا حرب ولا قتال
وكان خط ناثان يشبه خط خالهُ حيقار ثم طوا الرسالتين وختمهم بختم
حيقار والقاهم في دار الملك حتى يجدوهم ويرووهم الى الملك ثم انهُ
مضى
[202b]مضى وكتب رساله من عند الملك الى حيقار السلام التام على وزيري
وكاتبي ⟨وخاتم⟩ سرّي حيقار وان حين وصول هذه الرساله اليك اجمع العسكر
الذي عندك كلهم ويكونوا كاملي العدد والكسوه واتيني يوم الخميس
الى بقعة نسرين وحين تراني اتيت اليك اجعل العسكر يهيج مقابلي
مثل عدو يقاتلني لان عندي رسل فرعون ملك مصر حتى ينظرون
قوّة عساكرنا ويخافون منّنا لانهم اعداينا ومبغضينا ثم ختم الرساله
وارسلها الى حيقار مع واحد من عبيد الملك واخذ الرساله الواحده التي
كتبها واعرضها على الملك وقراها عليه واوراهُ الختم فلما سمع الملك ما
في الرساله حار حيرةً عظيمه واغتاض غيضًا شديد وقال ايش اخطيت
انا مع حيقار حتى كتب هولاي الرسايل الى اعداي هذه مكافاتي منهُ
عوض احساني اليه فقال لهُ ناثان لا تغتم ايّها الملك ولا تحزن
ولا تغاض بل انّنا نمضي الى بقعة نسرين وننظر الخبر هل هو صحيح
ام لا فقام ناثان واخذ الملك نهار الخميس ومعهُ باقي العسكر والوزرا
وانطلقوا الى بقعة نسرين في الصحرا فنظر الملك واذا حيقار وعسكره
مصفوفين فلما نظر حيقار قد اقبل الملك اشار العسكر ان يهيّجوا الحرب
ويضربون مصاف مع الملك كما اتاهُ في الرساله وهو لا يعلم ايما [بئر]
قد حفر لهُ ناثان فلما نظر الملك ما فعل حيقار احتار حيرةٍ عظيمه
واغتاض غيضًا شديد واخذهُ السهو والضجر من حيقار فقال له ناثان
نضرت يا سيّدي ما فعل هذا الاليم لكن لا تغتم ولا تتالم منه بل امضي
الى بيتك وسريرك وانا اجيب لك حيقار مكتوف مقيّد بالسلاسل
واطرد عنك عدوك بلا تعب فعاد الملك الى كرسيّه وهو مقهور من ما
فعل بهِ حيقار ومضى ناثان الى خالهِ حيقار وقال لهُ والله يا خالي قد
فرح الملك فرحًا عظيم وشكرك حتى صنعت ما امرك بهِ والان قد
ارسلني اليك ان تطلق العسكر وتمضي الى عنده مكتوف. وقيد في رجليك
لينظروا رسل فرعون ذلك ويبقا الملك مهاب عندهم وعند ملكهم فاجاب
حيقار بالسمع والطاعه وكتّف يديه وقيد رجليه واخذه ناثان ومضى
بهِ الى الملك وكان الملك قد نظر ايضًا الرسالة الثانيه فلما دخل حيقار
على الملك فسجد امامهُ وخرّ للارض على وجهه فقال لهُ الملك يا حيقار
[203a]كاتبي وولي امري وكاتم سرّي ومدبّر دولتي قول لي ما هو الذي صنعتهُ
انا معك من القبيح حتى تباديني بهذه الافعال السمجه ثم اوراهُ الاوراق
بختمهِ وخطّهِ [فخجل] حيقار للوقت ورقّت اعضاه وانعقد لسانه للوقت
وما بقي يطيق الكلام وبقي يريد ان يتحدّث كلمه واحده من حكمته
ومعرفته فلم يجد ذلك فاطرق في الارض وسكت فلما نظر الملك ذلك
امر للوقت ان يوثقوا حيقار ويضربوا عنقهُ خارج المدينه فصرخ ناثان
للوقت وقال يا حيقار يا اسود الوجه ايش نفعك مكرك وغدرك حتى
تفعل هذا الفعل الردي مع الملك قال وكان اسم السيّاف ابو سميك
فامرهُ الملك وقال له امضي اقطع عنق حيقار في باب بيتهِ وابعد راسهُ
عن جثته ماية ذراع عند ذلك خر حيقار امام الملك وقال تعيش يا
سيّدي الى الابد فان اردت قتلي يكون اختيارك وانا اعلم ان
ليس لي ذنب لكن يطالب الردي برداه لكن ياسيّدي رجاي من
صدقاتك [تأدن]السياف ان يعطي جسدي لعبيدي حتى يدفنوني
ويكون عبدك فداك فامر الملك للسياف ان يفعل بهِ ما يريد فاخذوا
حيقار السياف وغلمانه ومضوا بهِ عريان ليقتلوه فلما حس حيقار بقتلهِ
وتيقن ذلك ارسل الى زوجته يقول لها وكان اسمها اشفغني اخرجي
للقايي ومعكي الف بنت بكر ولبسيّهم ثياب الارجوان والحرير حتى
يبكون عليّ قبل موتي واوضعي للسيّاف وغلمانه مايده وامزجي خمرًا كثير
حتى يشربون ففعلت جميع ما امرها وكانت حكيمه عاقله ماهره قد
حوت الادب والمعرفه فلما وصلوا الجند والسياف وغلمانه وجدوا المايده
موضوعه والخمر والمواكيل المفتخره فبدوا في الاكل والشرب حتى سكروا
فاخذ حيقار السيّاف على منزلٍ وقال لهُ يا ابو سميك ما تعلم يوم الذي
اراد سرحادوم الملك ابو سنحاريب يقتلك فاخذتك واخفيتك في
مكان الى ان برد غضبه وطلبك [فأحضرتك] وفرح فيك والان اذكر
الجميل والخبز والملح وانا اعلم ان الملك يندم عليّ ويغتاظ غيضًا عظيم
لان ليس لي ذنب فتكون عنده في الدرجة الرفيعة فاعلم ان
ناثان ابن اختى غشّني وصنع معي هذا الصنيع الردي وسيندم الملك
على
[203b]على قتلي وان لي سرداب في عتبة بيتي وهو صغير وما احدٍ يعلم فيه اخفيني
هناك بعلم زوجتي وفي السجن لي عبدًا مذنب اخرجه ولبسه ثياب
وامر لهولاي الذين معك وهم سكارى ان يقتلوه وما يعرفون لمن قتلوا
وابعد راسه عن جثته ماية ذراع واعطي جسده لعبيدي حتى يدفنوه
وتكون قد [ذخرت] عندي ذخيره وعند الملك ايضًا ففعل السياف كما قال
لهُ حيقار ومضوا الى الملك وقالوا لهُ يعيش الملك الى الابد وكانت امراة
حيقار [تحضر له] في المطمورة خبز وما كل جمعه ما [يكفيه] ولا احد بعلم بهِ
غيرها فشاع الخبر وانتشر في اثور ونينوى ان حيقار قد قتل ومات
فناحوا عليه اهل تلك البلاد وبكيوا وقالوا يا حيف عليك يا حيقار وعلى
علمك وادبك يا اسفاه عليك وعلى معرفتك اين بقا يوجد مثلك [وأين]
بقى يصير عارف مدبّر يشبهك حتى يقوم موضعك فامّا الملك فانّهُ
ندم على حيقار وبكي ولم ينفعهُ الندم ودعا ناثان وقال لهُ امضي
وخذ معك احبّاوك واعمل مناحه لخالك حيقار كجاري العاده اكرامًا لخاطرهِ
فلما مضى ناثان الاحمق القاسي القلب الى بيت خالهِ لا بكي ولا ناح ولا
حزن بل جمع لهُ اناس فاسقين فاسدين وبدوا في الاكل والشرب
وبدى ناثان يمسك العبيد والجوار الذي لحيقار ويعذّبهم ويشدّهم
ويضربهم ضربًا موجع وما يستحي من امراة خالهِ التي ربّتهُ مثل ولدها
بل طلب انهُ يقع معها في الخطيّه وامّا حيقار كان ملقا في المطموره وهو
يسمع بكا عبيدهُ وجوارهُ وحمد الله الرحوم وكان يصلي دايم
ويتضرّع اليه ببكا ونواح وكان كلّ مدّة من الزمان ياتي اليه السياف
وياخذ في خاطره ويسلّيه ويخرج ليلًا ويدعي له بالخلاص فلما شاع الخبر
الى ساير الممالك ان حيقار الحكيم قتله سنحاريب سيّده الملك فرحت
الملوك في الملك وتاسّفت على حيقار فكّاك المشكلات فنهض اولًا
ملك مصر وكتب رساله الى سنحاريب الملك يذكر فيها: السلام
التام والتحيّة والاكرام يخص بهِ الملك سنحاريب واني قد اشتهيت
ان ابني لي مقصوره بين السما والارض واريد منك ان ترسل لي رجل
ماهر حكيم حتى يبني لي اياها ويرد لي كلما اسالهُ ويكون لك عندي
كسيم مصر وخراجها ثلثة سنين وان لم ترسل لي ذلك والا يكون
[204a]عندك كسيم اثور ونينوى وخراجها ثلثة سنين وختم الرساله وارسلها الى
الملك فلمّا وصلت الرساله الى سنحاريب الملك اخذها وقراها قدّام وزراه
واكابر دولته وتحيّر وبهت واغتاض غيضًا عظيم ثم جمع المشايخ والحكما
والفلاسفه والعارفين والمنجّمين وجميع من في بلاده وقروا الرساله قدامهم
فبهتوا وتحيّروا جميعًا فقال لهم الملك من فيكم يمضي الى فرعون ملك مصر
ويردّ لهُ جوابهُ فقالوا لهُ يا سيّدنا الملك اعلم ليس احدٍ كان يعرف فكّ
هذه المشكلات سوى حيقار وزيرك وكاتبك وامّا نحن ما لنا حيلةً فيهم
الّا ان كان ناثان ابن اخته وقد كان علّمهُ جميع حكمتهُ وعلمه فادعيهِ
اليك لعلّ انه يحلّ هذه العقدة العسره عند ذلك دعي ناثان وقرا عليهِ
الرساله فاجاب ناثان وقال يا سيّدي الملك اترك الناس يهدون بالمحال
من يقدر يبني قصر بين السما والارض فلما سمع الملك ذلك حزن
حزنًا عظيم وبكي ونزل من كرسيهِ وجلس على الرماد وبدى يبكي
وينوح على حيقار ويقول وا اسفي عليك يا حيقار يا عارف المسايل
ويلي عليك يا معلم بلدي ومدبّري اين اجد مثلك يا حيقار واين ادور
عليك ويلي عليك كيف اهلكتك وعدمتك بكلام صبي احمق جاهل بلا
معرفه ولا دين ولا مروّه اه على من كان وهبك لي او كان يبشّرني
بان حيقار طيّب فكنت اعطيه نصف ملكي لكن من اين لي ذلك اه
يا حيقار من كان نظرك حيًّا حتى كان يشبع من [رؤياك] ويعتدر منك
يا اسفي عليك لطول الزمان يا حيف عليك كيف قتلتك ولم امهل حتى
كنت انظر عاقبة امرك وبقى ينوح ويبكي ليلًا ونهار فلما راى السياف
غيظ الملك وحزنهُ رقّ له وتقدّم وسجد امامه وقال يا سيدي الملك
قول لعبيدك ان يقطعوا راسي فقال له الملك ويلك ما اذنبت فقال
له السيّاف يا مولاى كل عبدًا يخالف كلام مولاه يقتل وانا قد خالفت
امرك قال له الملك ويحك يا ابو سميك بماذا خالفت امري قال
له يا سيّدي انت امرتني ان اقتل حيقار فعلمت انك تندم عليه وانه
مظلوم فاخفيته في مكان وقتلت واحد من عبيده وهو الان بالحياة
فإن فلما
⟨فان امرتني فانا اتيك به وان اردت اطلقني وان اردت اقتلني⟩
⟨فقال له الملك ويحك يا ابو سميك انت تهزو بي وانا سيدك فقال لا [وحياة] راسك يا سيدي بل حيقار طيّب بالحياة⟩
[204b]فلما سمع الملك ذلك الكلام وتحقّقه طار عقله من شدّة الفرح وامرهُ
باحضارهِ وقال له يا عبدًا صالح انكان كلامك صدق اريد اغنيك
وارفع منزلتك عن كل اصحابي فمضى السيّاف وهو فرحان حتى
وصل الى بيت حيقار وفتح باب المطموره ونزل فوجد حيقار جالس
يحمد الله ويشكره فصاح وقال اتاك الفرج يا حيقار قوم افرح
وسرّ وابتهج فقال له حيقار ما هو الخبر فاحكى له جميع ما صار
من الاوّل الى الاخر ثم اخذه ومضى الى الملك فلما نظره الملك في
حال العدم وقد طال شعر راسه شبه الوحش واظافيره كاضافير
النسر وجسده قد تخبّل من التراب ولون وجهه تغيّر وبلي
وبقي مثل الرماد حزن لاجلهِ وقام واعتنقه وقبّله وبكي عليه
وقال الحمد لله الذي ردّك عليّ بعد الموت ثم اخذ في خاطره وسلّاه
واعتذر اليه وخلع على السيّاف وانعم عليه واوهبه مالًا جزيل واخذ
على راحه حيقار فقال حيقار للملك تعيش يا سيّدي الى الابد هذه
افعال اولاد الزنا انا ربيّت لي نخله حتى اتكّي عليها فمالت وارمتني
لكن يا سيّدي بعد ان حضرت امامك فلا يهمّك ولا يغيضك شي هذا فقال
له الملك تبارك الله الذي رحمك ونظر اليك ويعرف انك مظلوم
وخلّصك ونجّاك من القتل ولكن امضي الى الحمام واحلق راسك
وقصّ اضافيرك وغيّر ثيابك واتنعّم مدّة اربعين يوم حتى تطيب
نفسك وينصلح حالك ويردّ اليك لون وجهك. وبعد ذلك تعال
الى عندي ثم انه خلع عليهِ خلعه سنيّه فشكر حيقار وسجد للملك
وانصرف الى منزله فرحان مسرور يسبح الله تعالى ففرحوا به اهل
بيته واحبّاه [وكل من] سمع به انه حي ففعل كما امره الملك واخذ
الراحه اربعين يوم ثم انه لبس افخر ملبوسه وركب واتى الى عند
الملك وعبيده خلفه وقدامه فارحين مسرورين وامّا ناثان لما
نظر الذي قد صار اخذه الرعب والفزع وبقي حاير لا يدري
ماذا يفعل فلما دخل حيقار الى الملك سلّم عليه فردّ عليه السلام
واجلسه بجانبه وقال له يا عزيزي حيقار انظر هذه الرساله التى
[205a]ارسلها الينا ملك مصر بعد ان سمع بقتلك وقد قهرونا وغلبونا واكثر اهل
البلاد هربوا الى مصر خوف من الكسيم الذي يطلبون منّنا فاخذ حيقار الرساله
وقراها وفهم تاويلها وقال للملك لا تغتاظ يا سيّدي انا امضي الى مصر
واعطي الجواب لفرعون واشرح له هذه الرساله واجيب لك منه الكسيم
⟨واردّ كلّ الذين هربوا واخزي كل اعدايك⟩
⟨بعون الله تعالى وبسعادة دولتك فلما سمع الملك هذا الكلام⟩
فرح وانسرّ خاطره وانعم عليه واوهب للسيّاف مالًا كثير فقال حيقار للملك
امهلني اربعين يوم حتى افكر في هذه المسالة وادبّرها فاذن له بذلك
فمضى حيقار الى منزله وامر الصيادين يصيدوا له نسرين فاصطادوهم وجابوهم
له وامر ايضًا الذين يفتلون الحبال ان يفتلوا له شريطين من قطن طول
كل واحد الفين ذراع واحضر النجارين وامرهم ان يصنعوا له صندوقين
كبار ففعلوا ذلك وكان عنده صبيان صغار فاحضر منهم اثنين اسم
الواحد نبوحال والاخر طبشاليم وبقا [كل يوم] يذبح خاروفين ويطعم
النسوره والاولاد ويركّب الاولاد على ظهر النسوره ويربطهم عليهم
ويربط الشريط في رجلين النسوره ويطلقهم الى فوق قليل قليل كل يوم
قدره عشرة اذرع حتى تطبّعوا وتعلّموا ففي مدّةٍ يسيره كانوا يرتفعوا على
طول الشرايط حتى يصلوا الى الفضا يصرخون ويقولون وصلوا لنا حجر
وطين وكلس وطوب حتّى نبني قصر الملك فرعون ولا تخلّونا بطّالين
ومازال حيقار يطبّعهم ويدرسّهم حتى انهم بقوا على غاية ما يكون فتركهم
ومضى الى الملك وقال له يا سيّدي قم تم العمل كما تريد فقوم معي لاريك
العجب فنهض الملك وجلسايه واخذهم حيقار الى مكان متّسع وارسل
فاحضر النسوره والصبيان وربّطهم كما راد واطلقهم فصعدوا كما علمهم
حيقار الى الفضا على طول الحبال وبدوا الاولاد يصرخوا كما علّمهم حيقار
ثم جذبهم الى تحت ووضعهم في الصناديق فتعجّب الملك ومن معه عجبًا
عظيم وقام وقبّل حيقار بين عينيهِ وخلع عليهِ وقال له امضي بالسلام
يا عزيزي وفخر دولتي الى مصر وردّ مسايل فرعون واغلبه بقوّة الله
تعالى وثمّ ودّعه واخذ معه عسكره وجنده واخذ النسوره والاطفال
ومضى
[205b]ومضى قاصد ديار مصر فلما وصل وتوجّه الى بلاط الملك فعلموا اهل مصر ان
سنحاريب قد ارسل من خواصه رجل حتى يتكلّم مع فرعون ويردّ مسايله
وبلغ الخبر لفرعون الملك فارسل جماعه من خواصه حتى حضره الى بين
يديه فاتى ودخل الى قدّام فرعون وسجد امامه للارض وقال له سيّدي
الملك سنحاريب يهديك جزيل السلام والتحية والاكرام وقد ارسلني
انا واحد من عبيده حتى اردّ لك سوالك ومهما تريد وارسلت تتمنّا
عليه بنيان قصر بين السما والارض فانا بعون الله تعالى وبهمّتكم
الشريفه وبدولة سيّدي الملك ابني لك ايّاه كما تشتهي ولكن
على العهد الذي قرّيت به عن كسيم ثلثة سنين توصله ايام لان
قرار الملوك دينًا ثابتًا فان غلبتني وقصرت يدي عن جوابك فيرسل
لك سيدي الكسيم كما قلت وان اجبتك عن جميع ما تريد ترسل
لسيّدي الكسيم كما امرت انت فلما سمع فرعون هذا الخطاب عجب من
ذلك وتحيّر من انطلاق لسانه وحلاوة كلامه فقال له يا رجل ما
اسمك فقال له عبدك ابيقام وانا نمله من نمل سنحاريب الملك
فقال له فرعون ما كان عند سيّدك ارفع شان منك حتّى يرسل
لي نمله تجاوبني وتتكلّم معي فقال له حيقار ارجو من الله تعالى
اني اتمم ما في خاطر سيدي الملك لان الله مع الضعيف ليتعجّب القوي
عند ذلك امر فرعون ان يهيّوا منزل لابيقام وجنده وان يجعلوا
لهم العلايق ويجروا عليهم الاكل والشرب وجميع ما يختصّ بهم
بغاية ما يكون فلما كان بعد ثلثة ايّام لبس فرعون الارجوان
الاحمر وجلس على كرسيهِ وكل عظمايه ووزراه واقفين مكتفين اليدين
جاملين الرجلين فارسل واحضر ابيقام امامه فسجد للارض ووقف
فقال له فرعون يا ابيقام لمن اشبه انا ووزراي وخدامي لمن يشبهون
فقال حيقار انت يا سيّدي تشبه الى بيل الصنم واكابرك يشبهون
لخدامه فقال له امضي الى منزلك وفي الغد تعال الى هاهنا فمضى
حيقار كما امره فرعون وفي الغداه حضر امام فرعون فسجد قدامه
ووقف وكان فرعون قد لبس احمرًا ملون وعظمايهِ قد امرهم ان يلبسوا
[206a]يلبسوا ابيض فقال فرعون يا ابيقام لمن اشبه انا واكابري لمن يشبهون فقال
له يا سيّدي انت تشبه الشمس واكابرك لشعاع الشمس فقال له امضي وفي
غدا تكون هاهنا ثم وصى فرعون لاكابره انهم يلبسوا بياض صافي ولبس
هو ايضًا كذلك وجلس بالغداة على كرسيهِ وامر باحضار ابيقام اليه
فدخل وسجد امامه ووقف فقال له فرعون لمن اشبه انا وجنودي لمن
يشبهون فقال له يا سيّدي انت تشبه القمر وجنودك يشبهون الكواكب
والنجوم فقال له امضي وغدا تعال فامر فرعون لعظمايهِ ان يلبسوا
اثياب ملوّنة مختلفة الاشكال ولبس هو ثوب مكمل احمر وجلس على
كرسيهِ وامر باحضار ابيقام فدخل وسجد بين يديهِ ووقف فقال له انا
لمن اشبه وعظماي لمن يشبهون فقال له يا سيدي الملك انت تشبه الى
شهر نيسان وعظماوك يشبهون لزهره وبيبوننه وبيبونه فلما سمع
الملك ذلك فرح فرحًا عظيم وقال يا ابيقام اوّل مرّه شبهتني لبيل
الصنم واكابري لخدامه وتاني مرّه ⟨شبهتني للشمس وجنودي لشعاعها وثالث مره⟩ شبهتني للقمر وعظماي للكواكب والنجوم
ورابع مرّه شبهتني لشهر نيسان واكابري لزهرهِ وبيوبنه فقول لي
الان سيّدك سنحاريب لمن يشبه واكابره لمن يشبهون فصرخ حيقار
بصوتًا عظيم وقال حاشا لي لن اذكر سيّدي بفمي وانت جالس على كرسيك
بل قوم على رجليك حتى انّي اقول لك لمن يشبه سيّدي واكابره لمن
يشبهون فتحيّر فرعون من جرااه لسانه وشجاعته وقوته في الكلام
ثم قام عن كرسيه ووقف نصب حيقار وقال له قول لي الان حتى ابصر
سيّدك لمن يشبه فقال له سيّدي يشبه اله السما واكابره البرق والرعد
فان شا هبّت الرياح ونزل المطر وامر الرعد رعد وبرق ويامر الشمس
فلا تعطي ضوّها والقمر والكواكب لم يسيرون وان امر العواصف تهبّ
والامطار والبرد ايضًا ينزلون ويخبط نيسان وينثر زهره وبيبوبنه فلما
سمع فرعون هذا الكلام حار حيرةً عظيمه واغتاض غيضًا شديد وقال
له يا رجل ما اسمك قول لي الصحيح وعرفني من انت حقًا فقال له انا اسمي
حيقار الكاتب اكبر خواص سيّدي سنحاريب الملك وانا وزيره ومدبّر اموره
وخاتم
[206b]وكاتم سرّه فقال له صدقت يا حكيم في هذا الكلام ولكن نحن سمعنا ان حيقار
قتله سيده وها انت طيّب بالحياة فقال له حيقار نعم ذلك ولكن الحمد
لله عالم الخفايا لان سيّدي صحيح امر بقتلي واستعقد على كلام المفسدين
لكن الرب نجّاني ويا طوبى لمن اتّكل عليه فامره فرعون ان يمضي وغدا ياتي
وقال له افكر لي في كلمه ما سمعتها قط من اكابري ولا من اهل دولتي
وبلدي فمضى حيقار الى منزله وكتب رساله قايلًا فيها هكذا من سنحاريب
الملك الى فرعون ملك مصر السلام عليك يا ابي والذي تعلم به ان الاخ
يحتاج الى اخوه والملوك الى بعضها بعض [والرجا] منك يا اخي ان تقرضني
تسعماية قنطار ذهب لاني احتجت الى [علوفة] بعض العسكر حتى انفق
عليهم وبعد قليل ارسلك ايّاه ثم انه طوا القرطاس واحضره فى الغداه
قدّام فرعون فلما قراه تحيّر وقال بحق اني ما سمعت هذه الكلمه من
احدٍ قط فقال له حيقار بقي عندك هذا دين لسيّدي بحق فقال فرعون
ذلك وقال يا حيقار مثلك من يخدم الملوك تبارك الله الذي [كمّلك]
بالحكمه وزيّنك بالفلسفه والمعرفه والان فبقا مرادنا منكك حتى تنبني لي
مقصوره شاقه شاهقه عاليه بين السما والارض فقال حيقار السمع
والطاعه انا ابني لك مقصوره كما تريد وتختار ولكن هيّي لي الكلس
والحجر والطين والفعاله وانا عندي معلّمين بنايين يبنون لك كلما تريد
فهيّا الملك جميع ذلك ومضوا الى مكان واسع ومضا حيقار وغلمانه واخذ
النسوره والصبيان معه ومضى الملك وغلمانه وجميع اكابره واجتمعت المدينه
باسرها حتى ينضرون ما يصنع حيقار عند ذلك اخرج الصناديق وربط
الصبيان على ظهورهم وربط في ارجلهم الشرايط واطلقهم الى الجو
فارتفعوا حتى بقوا بين السما والارض وبدوا يصرخون قايلين اوصلوا
لنا طين وحجر وكلس حتى نبني قصر لفرعون الملك لانّنا بطّالين واقفين
فبهتوا الجميع وتحيّر الملك واكابره وبدا حيقار وغلمانه يظربون الفعاله
ويصرخوا على جند الملك ويقولون لهم قدّموا المعلمين ما يريدون ولا
تعوقوهم عن شغلهم فقال له الملك انت مجنون يا حيقار من يقدر
يوصل شيًا في هذا العلوا فقال له حيقار يا سيدي جماعتك هم المجانين
لو كان سيّدي الملك هاهنا كان يبني مقصورتين في يوم واحد فقال
[207a]له فرعون امضي يا حيقار واستريح اليوم في منزلك لقد عبرنا عن القصر ولكن
غدا تعال اليّ فمضى كما امره الملك وحضر في الصباح الى قدّامه فقال له فرعون
يا حيقار كيف كبر حصان سيّدك لانه اذا صهل في اثور ونينوى يسمعون
خيلنا صوته هاهنا فيطرحون فتركه حيقار ومضى واخذ سنّوره وربطها وبدا
يجلدها جلدًا شديد حتى سمعوا المصريين حسّها فمضوا اعلموا فرعون
فارسل للوقت وراه وقال له يا حيقار لاي سبب تجلد هذه القطة وتضرب
حيوان اخرس قال له يا سيّدي لقد عملت معي قبيح عظيم واستوجبت
هذا الضرب لان سيّدي الملك سنحاريب كان قد اعطاني ديك مليح
صاحب صوت عظيم صحيح يعرف ساعات الليل وهذه القطة المفسودة
مضت في هذه الليله وقطعت راسه واتت فلاجل هذا باديتها بالضرب
فقال له فرعون يا حيقار اراك كل ما تكبر تخرف لان بين مصر ونينوى
ثلثماية وستون فرسخ فرسخ فكيف مضت القطه في هذه الليله
وقطعت راس الديك واتت فقال له حيقار اذا كان بين مصر ونينوى
هذه المسافه كيف اذا صهل حصان سيّدي يسمعوه خيلكم من هاهنا
فيطرحون وكيف يجي حسّ الحصان لمصر فلما سمع فرعون ذلك علم
انه رد سواله فقال له يا حيقار ما تقول في رجلًا بنا اسطوانه من ثمانية
الف وسبعماية وثلثة وستين لبنه وعقدها بثلث ماية وخمسة وستين
حجر وغرز في وسطها [اثنتا] عشر شجرة وافرعت كل شجره ثلثين قضيب
وفي كل قضيب عنقودين الواحد ابيض والاخر اسود فقال له حيقار هذا
المثل رعوان بقر الذي في اثور ونينوى يعرفوه البنّا هو الله تعالى
والاسطوانه هى السنه والثمانية الف وسبعماية وثلثه وستين لبنه هم
ساعات السنه [والاثنتا عشرة] شجره هم [الاثنا عشر] شهر والثلاثين قضيب
هم ثلاثين يوم كل شهر والعنقودين الابيض والاسود هم الليل والنهار
فقال فرعون يا حيقار افتل
- Rechtsinhaber*in
- Niedersächsische Staats-und Universitätsbibliothek Göttingen
- Zitationsvorschlag für dieses Objekt
- TextGrid Repository (2026). The Story and Proverbs of Ahiqar the Wise. Arabic. Borg. Arab. 201. Borg. Arab. 201. The Story and Proverbs of Ahiqar the Wise. Niedersächsische Staats-und Universitätsbibliothek Göttingen. https://hdl.handle.net/21.11113/3r7vv.1